أضيف في 26 دجنبر 2016 الساعة 05:03

الإعلان عن حالة الاستثناء


الحسن الثاني بزيه العسكري خلال سنوات الستينيات

 

 

منذ تولى الحسن الثاني العرش خلفا لأبيه، الذي وافته المنية بعد عملية جراحية بسيطة تركت خلفها الكثير من الأسئلة، عاش مغرب الاستقلال جملة من الأحداث السياسية بسرعة كبيرة.  لقد تم التصويت على دستور سنة 1962 الذي جاء به الملك، ووقفت ضده المعارضة التي كان يقودها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. ونظم المغرب أول استحقاقات تشريعية في 1963. وقدمت المعارضة ملتمس رقابة لإسقاط حكومة أحمد ابا حنيني في 1964. أما خلاصة كل هذا الزخم السياسي، فلم تكن غير قرار الحسن الثاني الإعلان عن حالة الاستثناء، وحل البرلمان شهران بعد اندلاع أحداث الدار البيضاء في مارس من سنة 1965، والتي سقطت فيها أعداد من القتلى، وزج بأعداد أخرى في السجون، ليحكم بعد ذلك مدة خمس سنوات بمفرده.


لقد عاش الحسن الثاني واحدة من أصعب اللحظات وهو يجد في مواجهته معارضة شرسة قادها الإتحاد الوطني للقوات الشعبية، التي ستختار، في لحظة سياسية على غاية كبيرة من الأهمية وهي جلسة افتتاح البرلمان يترأسها الملك، أن تعلن عن موقف أشبه بالعصيان حينما قرر نواب الإتحاد في البرلمان نزع اللباس التقليدي الذي تعودوه في مثل هذه المناسبة، والمتمثل في الجلباب الأبيض، والسلهام، والشاشية الحمراء، التي اعتبروها رمزا للعبودية. أما البديل فقد كان هو اللباس العصري، لكن بدون ربطة عنق لكي لا ينعت رفاق المهدي بن بركة بالليبراليين.


كان رد الحسن الثاني قاسيا بعد هذا الموقف، الذي قرأ فيه الكثيرون أكثر من رسالة تمكن الاتحاديون من إيصالها للملك، ومن خلاله لكل الرأي العام. أما الملك الراحل فقد قرر ألا يتابع هؤلاء الذين أعلنوا عصيانهم عما سماه الحسن الثاني بالتقاليد الإسلامية، خطابه إلا من قاعة مجاورة. قبل أن يهدد بحل حزب الإتحاد، بمبرر أن هؤلاء خرجوا عن ملة الجماعة ويحق فيهم الحل عملا بمنطوق الدستور الذي يعطي للملك صفة أمير المؤمنين. تراجع الحسن الثاني بتوصية من بعض مستشاريه الذين كان يستمع لبعضهم بشكل جيد، كما هو حال الراحل عبد الهادي بوطالب الذي سيرافقه في الكثير من المحطات السياسية الحاسمة. غير أنه سنة بعد هذا الحدث، ستنفجر الدار البيضاء، وسيخرج التلاميذ للشوارع للاحتجاج على قرار حكومي قال بطرد التلاميذ الذين استفادوا سنوات تمدرسهم من التعليم العمومي لكي يلتحقوا بمراكز التكوين المهني. لقد شكلت انتفاضة الدار البيضاء أول اختبار حقيقي للملك، غير اختبار معارضة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، خصوصا وقد سقط فيها آلاف القتلى، وزج بأعداد كبيرة في السجون بعد أن ظل الجنرال أفقير يطوف بطائرته الهيلكوبتر فوق سماء الدار البيضاء، التي عرفت ارتفاع حدة المواجهات مع قوات الأمن على امتداد ثلاثة أيام متكاملة.

 

لقد كانت الأزمة الاقتصادية قد امتدت لجل المجالات بعد أن فشلت الخطة الخماسية الأولى التي وضعتها حكومة أبا حنيني. ووصل عدد المعطلين وقتها في مدينة الدار البيضاء بمفردها إلى أكثر من 300 ألف. وزاد الأمر صعوبة أن أخرجت وزارة التربية الوطنية قرارا بإبعاد كل التلاميذ الذين وصلوا سن الثامنة عشرة من الثانويات، وإلحاقهم بالتعليم التقني. وفي الوقت الذي كان مبرر الحسن الثاني بعد اندلاع الأحداث، هو أن التعليم يجب أن يتم ربطه بعالم الشغل الذي كان في حاجة لمتمرسين أكثر من حاجته لمتعلمين تعليما عاما، قالت المعارضة إن قرار الحسن الثاني كان بخلفية سحب البساط من تحت أقدام تلك التنظيمات السياسية المعارضة التي استطاعت أن تستقطب التلاميذ إلى صفها. وهي التنظيمات التي ستؤسس بعد ذلك منظمات 23 مارس، وإلى الأمام. اندلعت الأحداث في مارس من سنة 1965. لكن الحسن الثاني لم يعلن عن حالة الاستثناء إلا في السابع من يونيو من نفس السنة. لم يكن الملك الراحل يرى أن مواجهة متظاهري الدار البيضاء من الطلبة والتلاميذ، وإسقاطهم برصاص الجيش عملا غير مشروع. إنه عين العقل حسبه من أجل استتباب الأمن. لذلك سيعترف في خطابه بأنه هو من ظل يعطي الأوامر لجنراله بقتل المتظاهرين. أما الإعلان عن حالة الاستثناء بعد ذلك، فقد شكل بالنسبة له محطة ضرورية من أجل إعداد الإصلاحات السياسية اللازمة. غير أن هذه الإصلاحات امتدت لخمس سنوات حكم خلالها الحسن الثاني بمفرده بعد أن وضع كل السلط بيده.


في السابع من يونيو من سنة 1965 جلس الحسن الثاني بقاعة العرش ليعلن للمغاربة عن قراره بالإعلان عن حالة الاستثناء، وحل البرلمان. لقد مارس الملك حقا دستوريا بإعلانه عن حالة الاستثناء التي اعتبرها البعض حالة طوارئ. غير أنه استثناء لم يحدد الدستور مدته بعد أن سكت عنها، ما يعني أنها قد تمتد لسنوات سيجد الحسن الثاني أنها يمكن أن تقتل الحياة السياسية أكثر مما تحييها، خصوصا وأنها عرفت أكثر من محاولة انقلابية تعرض لها الملك وخرج منها سالما قادها بعض المقربين منه بتواطؤ مع خصومه في المعارضة.

سترفض جل الهيئات السياسية قرار الاستثناء الذي أعلن عنه الملك. لقد قال الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إن الأمر مرفوض. أما عبد الكريم الخطيب، الذي كان وقتها رئيسا لمجلس النواب باسم الحركة الشعبية، فقد رفض أن يسلم مفاتيح البرلمان لأفقير. لقد استدعاه الحسن الثاني رفقة السيد الشرقاوي، الذي كان رئيسا لمجلس المستشارين لإشعارهما بقرار حل البرلمان. غير أن الخطيب رفض الأمر على الرغم من أنه كان واحدا من رجال القصر. في الوقت الذي لم يبد فيه المحجوبي أحرضان أي اعتراض على قرار الملك. لذلك سيستقيل الخطيب من الحركة الشعبية احتجاجا، قبل أن يعود لتأسيس الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، والتي فتح بعد ذلك أبوابها للحركة الإسلامية، التي ولد من رحمها حزب العدالة والتنمية. وقد كتب الخطيب في مؤلفه «مسار حياة» الكثير من هذه التفاصيل حول رفضه تسليم مفاتيح البرلمان للجنرال أفقير. أما مستشار الحسن الثاني عبد الهادي بوطالب، الذي سيكلف بتحرير خطاب الاستثناء، فيحكي عن هذه اللحظة حينما تلقى الدعوة من الملك الراحل الذي سيفاجئ ضيفه بأن «الأمور لا تسير على الوجه الأحسن. وأن الديمقراطية التي أخذنا بها، أصبحت معطلة. أما البرلمان فلم ينتج غير المشادات الهامشية وظهر أنه عقيم». لذلك أعتقد، يشرح الحسن الثاني، "أن قرار الاستثناء قد يكون سبيلا للإصلاح". لم يكن رد بوطالب موافقا لما جاء به الحسن الثاني. لقد حاول أن يشرح كيف أن المغرب بلد ديمقراطي فيه برلمان. ولا شك أن حالة الاستثناء ستجعل العالم ينظر إليه بنظرة أخرى قد يوصف معها بالبلد الديكتاتوري. ولذلك كان اقتراح مستشار الملك أن يقوم بحل البرلمان، لكن شريطة أن يعلن عن انتخابات سابقة لأوانها بدلا من حالة الاستثناء. لكن الملك الراحل رفض هذا المقترح، ودعا مستشاره لتحرير نص الخطاب الذي سيلقيه في السابع من يونيو أمام الأمة. خطاب سيقول الملك، بعد أن اطلع عليه في اليوم الموالي، إنه لن يغير منه حرفا، خصوصا وأنه جاء محملا بالكثير من الأفكار التي آمن بها بوطالب، والتي سعى من خلالها للتخفيف من حدة الاستثناء. غير أن هذه اللحظة التي امتدت لخمس سنوات، والتي راهن الحسن الثاني من خلالها على إضعاف الأحزاب السياسية التي لم يكن يتردد في القول إنها شاخت، لم تترك خلفها غير الأسوأ مع محاولات انقلابية ودخول السلطة لفرض أسلوبها بالقوة. بل إن ما بعد سنوات الاستثناء ودخول المغرب تجربة ما اصطلح عليه بالمسلسل الديمقراطي، تغيرت الطريقة دون أن يتغير الهدف. فبدلا من جبروت أفقير والدليمي، عشنا مع تزوير إرادة الناخبين وصنع المؤسسات المغشوشة في البرلمان وفي الجماعات المحلية على عهد أقوى وزراء داخلية الحسن الثاني إدريس البصري.


لم يكن قرار الإعلان عن حالة الاستثناء التي اختارها الحسن الثاني إلا حصيلة لسنوات الصراع الذي اندلع بينه وبين المعارضة، التي قادها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. معارضة ستتهم بالتخطيط لاغتيال الملك منذ كان لا يزال وليا للعهد. قبل أن تتهم نفس هذه المعارضة بمحاولة تصفية الملك في 1963، سنتان على توليه العرش. غير أن اندلاع أحداث الدار البيضاء في مارس من سنة 1965، أفاض كأس الملك الراحل، الذي سيعلنها شهران بعد ذلك، مملكة يحكمها بمفرده دون حاجة إلى برلمان ولا إلى مؤسسات منتخبة. جلس الملك الراحل ليلقي خطابا، سيكتشف المغاربة أن الحسن الثاني سيرتجله لأول مرة منذ توليه العرش. لذلك جاء الخطاب مليئا بالكثير من الاتهامات، وإن كان قد اعترف فيه بأن المغرب يعرف ظروفا اقتصادية واجتماعية صعبة، بعد أن أضحت الهوة واسعة بين الإنتاج والاستهلاك حيث لم يسجل الإنتاج الداخلي خلال العشرسنوات الأخيرة مثلا إلا 1.6 في المائة، في الوقت الذي ازداد فيه عدد السكان بنسبة 3 في المائة..أما المنتوج الفلاحي، فلم يعد يفي بالغذاء الضروري لمجموع السكان. كان خطاب الحسن الثاني، بعد انتفاضة الدار البيضاء التي ستجعله يفكر في صيغة لكسر شوكة المعارضة، التي رأى أنها في طريقها لتصبح قوة ضاربة، بعد أن نجحت في اختراق صفوف التلاميذ، ووضعت اليد على الطلبة والعمال والفلاحين، قويا. قال غاضبا إن المغاربة الذين انتفضوا في الدار البيضاء، والكيفية التي عبر بها هؤلاء عن استيائهم ليست طريقة لائقة. "لقد استحييت، يقول الحسن الثاني بنبرة قوية، ولم أرض أن يستولي هذا البلد المتحضر قانون الغاب والفوضى. أما العائلات التي خرج أبناؤها للتظاهر في شوارع الدار البيضاء ضد قرار وزير التعليم بالتشطيب عليهم من التعليم الثانوي، فقد واجههم الحسن الثاني بنفس نبرة الغضب "هل يخفى عليكم أيها الآباء والأمهات أن جيلنا هذا سينقرض يوما وسيموت.. وأن هذا الجيل الذي أخرجتموه إلى الشوارع هو الذي سيخلفه..إن الآباء والأمهات الذين دفعوا بأبنائهم إلى الشارع لأجل التظاهر، كانوا مخطئين لأنهم عودوهم على الفوضى وقانون الغاب.. حذار حذار. فمن تجرأ لك تجرأ عليك. أما رجال التعليم، فقد خصهم الحسن الثاني في هذا الخطاب بكلمات لا تزال إلى اليوم تترك أثرها في نفوسهم، لدرجة أصبحت معها سبة يتم ترديدها بمناسبة وبدونها، حينما وصفهم بأشباه المثقفين، لأنهم هم من دفعوا، حسبه، التلاميذ إلى الخروج والاحتجاج. قال الملك الراحل: "أخيرا أتوجه إلى الأساتذة وأقول لهم إنه من عادة الرجال، وعادة المثقفين بالخصوص أن تكون لهم الشجاعة الكافية للتعبير عن أفكارهم لا أن يستغلوا التلاميذ، ولا أن يتستروا وراء الأطفال. يجب عليهم أن يكونوا رجالا ويخرجوا هم إلى الميدان.  فهم أدرى بأحوالكم. والسلطة أدرى بأحوالها. إنهم يوصدون المدارس ويأمرون التلاميذ بمغادرة الفصول للخروج إلى الشوارع. فلماذا لم يخرجوا هم أنفسهم بدل أن يخرجوا التلاميذ؟ أين هي رجولتكم وشجاعتكم؟ ولكن اسمحوا لي أن أقول لكم إنه لا خطر على أي دولة من الشبيه بالمثقف. وأنتم أشباه المثقفين. وليتكم كنتم جهالا. لم يستسغ رجال التعليم كل هذه النعوت التي أطلقها ملك البلاد في حقهم وهو يصفهم بأشباه المثقفين، لذلك ظلت المعارضة تراهن بعد ذلك على هذه الفئة وهي ترص صفوفها لمواجهة الحسن الثاني بعد ذلك. نفس هذه المعارضة، هي التي سيخصها في نفس خطابه المرتجل بفقرات نارية حينما قال " كفاكم من إلقاء الخطب الفارغة. كفاكم أن تقولوا لنا المسائل التي لا تتقون بها ولا تؤمنون بها. كفاكم أن تقولوا لنا الإصلاح كذا، والحال أنكم، بل الجل منكم، ليست له نظرة حقيقية عن الكلام الذي يتشدق به".... أنا، يقول الملك الراحل في نفس الخطاب الذي أعقب انتفاضة الدار البيضاء وهيأ المغاربة لقرار حالة الاستثناء وحل البرلمان، مؤمن بالديمقراطية وبالنظام الذي اخترتموه كنظام للملكية الدستورية..لكن أقول لجميع النواب إنني غير متيقن أنكم تؤمنون بها كل الإيمان مثلي..إنكم لو كنتم مؤمنين بها في الحقيقة، لما ضيعتم أوقاتكم في سفاسف الأمور.." قبل أن يخلص في مواجهته لنواب الأمة بالتهديد والوعيد "أقول لكم أيها النواب، وأقول لكم أيها المنتخبون إنكم متشبثون بالحصانة فقط، ومتشبثون بما تتقاضونه كل شهر من الدولة.. وأطلب منكم أن يكون لكم ضمير مهني كاف لكي تعطوا لتلك الدولة، وذلك الشعب المقابل للشيء الذي تتقاضونه. بل كل واحد منكم لا يفكر في المصلحة، بل في الشيء الذي يقوله أصدقاؤه. نعم إنه جميل أن يكتب عنكم في الجرائد والصحف. ولكن هل تؤمنون بذلك؟ لا لا يؤمنون أيها الشعب".


هكذا فجر الحسن الثاني غضبه بعد أحداث الدار البيضاء في مواجهة العائلات التي دفعت بأبنائها إلى الشوارع، ليعم قانون الغاب، على حد تعبيره. وفي مواجهة الأساتذة، الذين هم مجرد أشباه مثقفين. وفي مواجهة نواب الأمة، الذين هم متشبثون فقط بالحصانة وبما يتقاضون من أجور وتعويضات. وفي مواجهة المعارضة التي تضيع الوقت في سفاسف الأمور. لذلك وجد، وكما سيكشف ذلك لمستشاره عبد الهادي بوطالب، أن أنسب الطرق لنزع الفتيل، هو حل البرلمان، والإعلان عن حالة الاستثناء التي حكم خلالها بمفرده لخمس سنوات.


الحسن الثاني يشرح في خطاب للأمة دواعي حالة الاستثناء


في السابع من شهر يونيو من سنة 1965، جلس الحسن الثاني في قاعة العرش ليلقي خطاب حل البرلمان والإعلان عن حالة الاستثناء. وهو الخطاب الذي كلف بتحريره مستشاره وأستاذه في المعهد المولوي عبد الهادي بوطالب، الذي لم يكن مقتنعا بجدوى هذا القرار.
يقول الحسن الثاني في معرض خطابه "...لم نجد الأغلبية العددية التي تكون الأداة البرلمانية اللازمة لقيام حكم مستقر. وبدون الائتلاف الوطني وأمام عدم توفر البرلمان على أغلبية، وجدنا أنفسنا أمام خيارين. اختيار الوفاء لفضيلة الديمقراطية، التي اعتبرناها دائما أفضل السبل وأجدى طريقة للعمل. واختيار نظام تمثيلي يتسم بطابع الجدل البرلماني غير المثمر، ويضر، لو تمادى بالديمقراطية نفسها. وبما نعتز به خلق نبيل وعبقرية أصيلة. وما نتميز به من كرامة وفكر خلاق... وتأكدنا أن التلاعب في المؤسسات التمثيلية وجمودها، لن يؤدي إلا للنفور من الديمقراطية والحكم عليها. في حين أنها مكسب من مكاسب شعبنا نحرص على صيانتها لتوفير الشروط لمزاولتها.





وهكذا وجدنا أنفسنا أمام حلول كان لا بد من انتفاء أنسبها لتدارك الوضع. كان في إمكاننا أن نتغاضى تاركين البرلمان يسير في الطريق السلبي الذي سار فيه. ولكن لم يرتح ضميرنا لهذا الحل. لم يرتح لما نحن مطوقون به من مسؤولية السهر على حقوق المواطنين والجماعات والهيئات. لم نرتح لما كلفنا به الدستور من أعباء ومهمات بوصفنا ملك البلاد، ورمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها. وكان في إمكاننا كذلك أن نعيد تشكيل حكومة لنتركها تجرب حظها في الظفر بالسند البرلماني. ولكننا مؤمنون على ضوء ما أسلفناه بأن أية حكومة، لن تظفر بسند برلمان انقسم على نفسه، ولم يعد يتوفر على أغلبية عددية واعية بمسؤوليتها. ولم نرد أن نجازف بالبلاد في عهد من الحكم عديم الاستقرار. ولم نر من المعقول أن نعدد تجارب الحكومات الفاقدة السند الحكومي. مفضلين أن لا نقذف بمصالح الدولة والشعب في سلسلة من التجارب العقيمة التي تفضي إلى تدهور أوضاع الدولة إداريا واجتماعيا، واقتصاديا. ولن يترتب عنها إلا أسوأ الأثر على الضمير الخلقي لشعبنا، وأوخم العواقب على سمعة وطننا. وكان بإمكاننا كحل ثالث، أن نستعمل حقنا الدستوري في حل مجلس النواب وإعادة انتخابه في الأجل القصير الذي حدده الدستور. ولكننا آثرنا أن لا نعرض البلاد لهزات عنيفة بدفع الأمة لخوض معركة انتخابية مفاجئة، في وقت تتأرجح فيه العواطف، وتطغى فيه الأغراض والمطامح، وتتضارب فيه الأهواء، خصوصا والدستور يلزم بإجراء الانتخابات في أجل لا يتجاوز أربعين يوما على الأكثر. على أننا لو تغاضينا عن ذلك كله، لما نتج عن إعادة الانتخابات في الوقت الراهن، وضع برلماني أسلم وأشد تماسكا. ذلك أن الدستور كما هو الآن من الفصول ما لا يساعد على ضمان سير المؤسسات البرلمانية سيرا مستقرا سليما. كما أن فيه من الثغرات والإبهام ما يعرقل ذلك السير. لذلك لا مناص من مراجعة تلك الفصول، وتدارك هذا الخلل قصد تكميل الدستور وتحسينه. على ضوء التجربة التي مرت لحد الآن، تجتاز البلاد الآن آزمة حكم وسلطة وهي مهددة بالتالي بعدم الاستقرار. وبحكم ما نحن مطوقون به من مسؤولية السهر على مستقبل شعبنا وضمان استمرار الدولة، وتلافيا للوضع الحالي وما ينذر به استمراره من خطورة. ارتأينا للخروج من حالة الانحلال التي تجتازها البلاد، أن نستعمل حقنا الدستوري الذي يعطينا جميع الصلاحيات لاتخاذ كل تدبير يفرضه رجوع المؤسسات الدستورية الى سيرها العادي، وذلك بعد فترة من الزمن تسود فيها السكينة والخلود، وتخمد خلالها حدة الضغائن، ويخلق معها جو أكثر ملاءمة لتحقيق الوحدة الوطنية التي نريدها لتعبئة الشعب للعمل والبناء. ...لقد وضعنا طابعنا هذا اليوم على المرسوم الذي يعلن حالة الاستثناء، على أن تتخذ وإلى حين عودة المؤسسات البرلمانية إلى سيرها الطبيعي، جميع التدابير التشريعية والتنظيمية اللازمة لتسيير شؤون البلاد. إن حالة الاستثناء لن يترتب عنها المساس بالحريات الفردية التي ضمنها الدستور. وسيظل المجال فسيحا لنشاط الأحزاب والمنظمات النقابية لمواصلة عملها المشروع، دون أي انتهاك للقانون الذي يجب أن يحترم سلطته.. إن تجربة السنتين الماضيتين في عهد النظام البرلماني، أثبتت ضرورة العمل على مراجعة بعض فصول الدستور التي تبين بالمزاولة والاستعمال أنها في حاجة للمراجعة والتعديل. إن هذا العهد الذي نشرع فيه، هو عهد تدارك ما فات وما ضاع من وقت لإنصاف الكادحين الجادين، ومكافاة المضحين المخلصين. أو بكلمة وجيزة، عهد إنصاف أولائك الذين يكونون السواد الأعظم من سكان بلادنا، والذين يؤدون عملهم الوفي في صمت ونكران الذات، والذين على سواعدهم وبفضل قرائحهم يقوم كيان هذا الوطن ويستمر بقاؤه وازدهاره. إن البلاد لفي حاجة إلى حكم قوي، لفي حاجة إلى حكم عادل، لفي حاجة إلى حكم مستقر. وكل هذا يستوجب سلسلة من التدابير المستعجلة التي يجب أن تنفذ بسرعة وحزم وفعالية. إن عهد الانحلال واللامبالاة في تسيير شؤون الدولة قد انتهى. ليحل محله عهد الحكم السليم والمسؤولية. عهد يتسم فيه عمل كل فرد في مختلف المجالات وعلى جميع المستويات بالجدية والضمير المهني. عهد تعود فيه للدولة حرمتها، وللمسؤولين هيبتهم، وللقانون سلطته المقدسة.
إننا أخذنا على عاتقنا أن نتحمل المسؤولية المباشرة لتسيير الحكم مضيفين هذا العبء إلى أعبائنا الثقيلة الأخرى، واضعين أنفسنا وجهدنا في خدمتك، مؤمنين بأن وعيك... سيساعد الجميع على طي المرحلة التي نجتازها ليتاتى للبلاد عن طريق الانتخابات في جو سليم أن تزود بمؤسسات برلمانية بعد أن تصحح أوضاعها، ويقوم اعوجاجها، وتؤدي المهمة المنوطة بها بروح الجدية والإيجابية.

بوطالب يحكي عن ظروف الإعلان عن حالة الاستثناء: على الرغم من أنني لم أكن، يقول عبد الهادي بوطالب مستشار الحسن الثاني الذي كلف بتحرير خطاب السابع من يونيو من سنة 1965 الذي أعلن من خلاله الملك الراحل عن حالة الاستثناء، متفقا على القرار الذي اعتبرته مسيئا لصورة المغرب في المحافل الدولية، إلا أنني وجدت أن الحسن الثاني كان مصرا على اتخاذه. لقد كانت الأسباب بالنسبة للملك الراحل، حسب بوطالب، قد نضجت لاتخاذ قرار بحجم الإعلان عن حالة الاستثناء. فالبرلمان أصبح يمضي وقته في نقاش عقيم حيث يتعثر سيره في الحسابات السياسية بين الفرقاء بداخله. لذلك كان الحسن الثاني يقول إن المغرب في حاجة لفترة استجمام سياسي، خصوصا وأن حصيلة البرلمان في تلك الفترة لم تتجاوز المصادقة على قانون واحد فقط. ظل الحسن الثاني، كما يحكي عبد الهادي بوطالب، يقول إن الدستور في فصله ال27 يعطيه حق حل البرلمان. فيما يعطيه الفصل 35 حق الإعلان عن حالة الاستثناء. لذلك أسر لبعض مستشاريه أنه ذاهب إلى منتجعه بمدينة إفران للتفكير فيما يجب أن يقوم به. وبعد أسبوع، كما يتذكر بوطالب، كان القرار حينما استدعاه رفقة بعض المقربين منه، لكي يعرض عليه الفكرة التي لم يتحمس لها مستشاره. لكنه اضطر في نهاية النقاش ليقبل بالقرار، حيث طلب منه أن يكتب الخطاب الذي سيلقيه الملك الراحل حول حل البرلمان، والإعلان عن حالة الاستثناء. يعترف بوطالب بأنه لم يكن متحمسا للقرار، في الوقت الذي كان السيد إدريس المحمدي، المدير العام للديوان الملكي وقتها، من أشد الراغبين في اتخاذ هذه الخطوة. لقد بدا لي، يقول بوطالب، أن المغرب سيدخل خندق الدول الديكتاتورية خصوصا وأن التجربة البرلمانية التي كان قد دخلها، جعلته محترما من قبل المنتظم الدولي. لقد كنت أجد، يشرح بوطالب، أن الحوار والجدل والصخب، والضوضاء أيضا، ومقاطعة النواب لجلسات البرلمان، هو من صميم عملهم، خصوصا وأنها كانت التجربة البرلمانية الأولى على عهد مغرب الاستقلال. ظل الحسن الثاني يقول في محاولة لإقناع محاوريه بالقرار "إنني أريد أن أطبق برنامجي في إصلاح أوضاع المغرب إصلاحا جذريا. وأريد أن أتخلص من حواجز الإجراءات البرلمانية المعقدة، ومن المناقشات المضنية داخل البرلمان، ومن تضاربات التصويت، وتشاجر النواب. فالبرنامج الذي أنوي تطبيقه مستعجل التنفيذ، ولا يجب أن يلقى في طريقه أية عراقيل". وحينما كان بوطالب يقترح على الملك الراحل الاكتفاء بحل البرلمان والإعلان عن انتخابات سابقة لأوانها، رد الحسن الثاني أنه يخشى أن تسفر نتيجتها عن اختيار نفس البرلمان، ونفس الوجوه وينتهي هو أيضا إلى الفشل..لذلك أرى، يقول الحسن الثاني، أن البلاد في حاجة إلى فترة استجمام. إن البلد، يضيف الحسن الثاني، فيه تعفن وتجاوزات. والسلطة لم تستقر فيه على حال، والحاجة ملحة إلى أن أقوم بواجبي ومسؤوليتي. انتهى اللقاء الذي جمعني على انفراد بالحسن الثاني حينما طلب مني أن آخذ وقتي الكافي لتحرير الخطاب، الذي سيلقيه أمام الأمة. وهو الخطاب الذي ضمنته بعض التحفظات التي قلتها في حضرة الملك. وحينما اطلع عليه في اليوم الموالي، قال لي "لن أغير منه حرفا. سألقيه كما كتبته". اتخذ قرار الاستثناء، وبعد سنة من تفعيله، كان الملك قد اتخذ جملة من القرارات الحازمة حيث أمر موظفي الدولة بأن يلتزموا بالانضباط. وأخذ يباشر الإصلاح الإداري، وجميع هذه التوجهات حملها الخطاب الذي حررته، يقول بوطالب. غير أنه بعد مدة، تراجع الحماس خصوصا أن مسؤولي الإدارات لم يكونوا يواكبون ما ظل ينادي به الملك، الذي كان، بمنطوق الدستور، يشرع بإصداره عددا من المراسيم الملكية. كما ظل يعقد مجالس وزارية ومجالس فرعية مصغرة يترأسها بمفرده. حيث أصبح قانون المالية مثلا يمر في اجتماع المجلس الوزاري، الذي كان يترأسه. وكانت تتم المصادقة عليه بسرعة، وينشر في الجريدة الرسمية دونما حاجة إلى ثلاثة أو أربعة أشهر من النقاش البرلماني، ومداولات اللجان. ولشرح هذا الأمر، ظل الحسن الثاني يقول " إن المغرب متأخر ويجب أن يتدارك هذا التأخير..هناك فجوة بينه وبين ماضيه وثغرات وضياع وقت". لذلك كان الملك الراحل يسمي، حسب عبد الهادي بوطالب حالة الاستثناء ب" حالة التدارك". حل البرلمان.. أحد أخطاء الحسن الثاني في الاعترفات التي ضمها كتابه، "ذاكرة ملك" يقول الحسن الثاني إنه ارتكب بعض الأخطاء في تدبيره للشأن العام. ويحكي عن والده الملك محمد الخامس كيف كان يقول له دائما "إن المغرب أسد ينبغي قيادته بزمام. ولا يجب تحسيسه بأنه مشدود بسلسلة من حديد. وعليه فإن التعامل بيننا يكون على الشكل التالي: عندما يجر الشعب الزمام بقوة، فإنني أرخي من جانبي. وحين يسترخي، أجره قليلا". فهل كان خلال تلك السنوات التي قضاها الملك الراحل في الحكم، يعتمد على هذا المنطق السياسي الذي تعلمه من والده. سيعترف الحسن الثاني أول مرة أنه ارتكب خطأه القاتل وهو يقبل بالاستفتاء حول الأقاليم الجنوبية. فقد قال في خطاب بمناسبة ذكرى عيد المسيرة الخضراء لسنة 1984 "إني تجاوزت السلطات المعطاة لي.. لقد ذهبنا إلى نيروبي.. واعتبرت شخصيا أني تجاوزت السلطات المعطاة لي. ويبقى أن السلطة الوحيدة التي كانت بيدي، هي أن أستفتيك هل تقبل الإستفتاء في الصحراء. وأعترف أنني تجاوزت سلطتي.. وأرجو أن تغفر لي هذا التجاوز". حدث هذا بعد ثلاث سنوات من القرار الذي كان قد اتخذه الحسن الثاني في القمة الإفريقية لنيروبي حينما قال إن المغرب مع إجراء استفتاء حول الأقاليم الصحراوية ما اعتبره الكثيرون خطأ قاتلا بالنظر إلى أن المغرب كان قد حرر الصحراء بفضل المسيرة الخضراء في 1975. سيقول الاتحاد الإشتراكي في بيان مكتبه السياسي إنه ضد قرار الملك حيث كان مصير أعضاء هذا المكتب هو الاعتقال بسجن ميسور فقط لأنهم قالوا للحسن الثاني إنك أخطأت. غير أن المتتبعين لمسار حكم الملك الراحل، يسجلون أنه ارتكب جملة من الأخطاء انطلقت بحرب الرمال، التي خاضها الجيش المغربي ضد الجزائر التي كانت لا تزال تداوي جراحها من حرب المستعمر. غير أن الحسن الثاني انتبه لخطورة الأمر، وأمر بوقف الحرب ودعوة الجنود المغاربة للعودة إلى ثكناتهم. وحينما استقبل الملك في قصره بمراكش الكولونيل ادريس بن عمر، الذي كان مرفوقا بأحمد بلافريج وأحمد رضا اكديرة، وعبد الهادي بوطالب، لم يتردد بن عمر في نزع بذلته العسكرية ليضعها أمام الملك احتجاجا، قبل أن يقول له " مولاي لا يقبل في المنطق الحربي والتقاليد العسكرية أن يعود جيش منتصر إلى منطقته وكأنه جيش منهزم". وبذلك اعتبر قرار الحرب، التي سميت بحرب الرمال، خطأ أول. ثم توقيفها خطأ ثانيا ارتكبه الملك الراحل. غير أن قرار حل البرلمان والإعلان عن حالة الاستثناء، كان واحدا من أكبر الأخطاء السياسية التي ارتكبت على عهده بعد أن وضع كل السلط بيده، وإن برر هذا الأمر بما كان يعيشه البرلمان وقتها من تصدعات وانقسامات ساهمت في تأخير وتيرة الإصلاح التي أرادها الملك الراحل. وقبل ذلك، كان حل جيش التحرير، الذي أشرف عليه الحسن الثاني بنفسه، واحدا من الأخطاء التي دشن بها الملك حكمه وهو لا يزال وليا للعهد. لقد كان الأمر بتعلق بحوالي عشرة آلاف جندي تم إدماجهم في الجيش المغربي. وفسر الحسن الثاني ذلك حينما قال إن حزب الاستقلال، وفي مقدمته المهدي بن بركة، كان يريد تسييس جيش التحرير بعد أن تدخل المصريون في الأمر.. وكان يرغب في إلحاقه بحزب..كان يريد أن يصبح الحزب الوحيد في المغرب. ولذلك تم اغتيال أحد مؤسسي هذا الجيش، كما قال الحسن الثاني في "ذاكرة ملك". اختطاف الزعيم الاتحادي المهدي بن بركة، سجل هو الآخر واحدا من أخطاء الحسن الثاني، الذي يعترف في نفس ذاكرته أن" المهدي بن بركة كان مشاغبا. إلا أنه كان ذكيا..كان بن بركة يستطيع أن يعطي يوميا عشرة آلاف فكرة..لم يكن لي أي خلاف مع المهدي..إن اغتياله كان مفاجئا، وإنه وضع أمام الأمر الواقع بعد الذي حدث. كان المهدي، يقول الحسن الثاني، يتكلم بنبرة متوقدة وحماسا زائدا..كان يفيض ذكاء. كما كان ذا ثقافة واسعة، وشخصية جذابة، وطبع هائج..كان سيصبح باحثا مرموقا لو لم يكن موزعا بين عدة شؤون. هكذا تحدث الملك الراحل عن أستاذه في الرياضيات. وتبقى سلسلة الاعدامات، التي أقدم عليها الحسن الثاني بعد أن تعرض للانقلاب، من أكثر الأخطاء التي سجلت في سيرة الملك الراحل حينما تم تجريد الضباط السامين المتهمين في انقلاب الصخيرات على الخصوص من أوسمتهم العسكرية، وتم ربطهم على الأعمدة ليطلق الرماة عليهم الرصاص بداخل ثكنة مولاي اسماعيل العسكرية دون محاكمة، في الوقت الذي كان الحسن الثاني يتابع مشهد الإعدام بمنظاره، كما تابع المغاربة نفس المشهد المريع عبر شاشات التلفزيون، بأمر من الملك الراحل. من حل جيش التحرير، إلى حرب الرمال، والإعلان عن حالة الاستثناء مع حل البرلمان، كان الحسن الثاني يمارس سلطه بالطول والعرض. لذلك كان لا بد أن يرتكب في طريقه الكثير من الأخطاء، التي أدى مغرب الإستقلال ثمنها الغالي.

 



شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا