أضيف في 23 دجنبر 2016 الساعة 03:28

إيالة الجزائر العثمانية


هجوم إنجليزي-هولندي على مدينة الجزائر



 

 

كانت أيالة الجزائر دولة تمتد من طرارة بالغرب حتى القالة شرقاً ومن الجزائر شمالاً حتى بسكرة و الأغواط جنوباً وذلك من 1515 إلى غاية 1830 تاريخ غزو فرنسا للجزائر. بعد هزيمة كارلوس الخامس عام 1541 أصبحت الجزائر أقوى ميناء في الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط. كان اسمها العربي تحت الحكم العثماني ولاية الجزائر (وصاية الجزائر) كما كان يطلق عليها في بعض الأحيان في عهد الدايات مملكة الجزائر.

في أول الأمر كانت اقليم في الدولة العثمانية تحت سلطة باشا، شهدت بعد ذلك تطورات سياسية ليتم الإشارة إليها في المعاهدات منذ نهاية القرن السابع عشر كمملكة أو مدينة-دولة الجزائر لتتحصل تدريجياً خلال القرنين الثامن والتاسع عشر على حكم ذاتي وشبه استقلال في تسيير شؤونها.

تحدت أيالة الجزائر مرارا وتكرارا سلطة الإمبراطورية وذلك بإنشاء علاقات دبلوماسية مستقلة مع الولايات المتحدة والقوى الأوروبية بما في ذلك فرنسا من خلال السفراء والمعاهدات مثل معاهدة السلام الفرنسية الجزائرية (1801).

حكم أيالة الجزائر باشاوات وآغاوات وبايات ودايات وكانت تتكون من بايلكات يحكمها بايات وهي:

  • بايلك الشرق: عاصمته قسنطينة
  • بايلك الغرب: وعاصمته مازونة ثم معسكر ثم مستغانم ثم أخيراً وهران
  • بايلك التيطري: وعاصمته المدية
  • دار السلطان: وهي مقر الحكم ومكان إقامة الداي.

كل بايلك كان يتكون من أوطان على رأس كل واحد منها قايد، لإدارة الشؤون الداخلية للبلاد اعتمد الأتراك على القبائل المسمات بالمخزن وهي المسؤولة عن ضمان النظام وفرض الضرائب على أجزاء البلاد التابعة لها.

من خلال هذا النظام ولمدة ثلاثة قرون مدت دولة الجزائر العثمانية سلطتها على شمال الجزائر الحالية ومع ذلك تحدت العديد من أجزاء البلاد وبانتظام سلطة البايات مثل ثورة إبن الأحرش وثورة أحمد الصخري وقلعة بني عباس.

منذ منتصف القرن الرابع عشر عانت الدولة الزيانية من هجومات الأيبيريين وذلك بسبب تجزء وضعف مملكة الزيانيين في المغرب الأوسط نتيجة الخلافات العائلية، فالأمراء المستقرون في وهران وتنس ثاروا ضد حكام تلمسان وفي الشرق استقلت بجاية وقسنطينة عن الحكومة المركزية في تونس أما الموانئ فقد شكلت جمهوريات صغيرة كالجزائر وبونة وجيجل ودلس ...إلخ.

في الهضاب العليا والجنوب كانت الاتحادات القبلية مستقلة عن أي سلطة مركزية أما في منطقة القبائل فقد بدأت إمارات مستقلة بالنشوء، على المستوى الاجتماعي والاقتصادي توقفت التجارة وتراجع التحضر والزراعة.

بعد سقوط غرناطة عام 1492 القوى الأيبيرية (إسبانيا والبرتغال) تعززت اقتصاديا وعسكرياً، استولى الأسبان على عدة موانئ بالساحل الجزائري مما اضطر مدن تنس ومستغانم وشرشال على دفع الضرائب وسلمت الجزائر الجزيرة التي تشرف على مينائها.

أدى سخط السكان غير الراضين عن حكامهم العاجزين عن الدفاع عنهم إلى ظهور حركات صوفية ازداد نفوذ قادتها والذين ساعدوا فيما بعد الإخوة بربروس والعثمانيين على الاستقرار بالمنطقة.

كانت مدينة الجزائر ميناء صغير يسكنها حوالي 20.000 نسمة، نما عدد سكانها بشكل كبير مع وصول اليهود والمورو المطرودين من منطقة أندلوسيا بعد سقوط غرناطة. أصبحت الجزائر «جمهورية محلية صغيرة» لتصير فيما بعد عاصمة الدولة الجديدة.

بعد سقوط الأندلس عام 1492 مع سقوط إمارة غرناطة آخر معقل كان بحوزة المسلمين، أراد الكاردينال خيمينيث كبير الأساقفة الأسبان نقل الحملات الصليبية إلى قلب الدول الامازيغية الصغيرة. ضم الأسبان العديد من المدن الساحلية: المرسى الكبير 1505 ووهران 1509 وبجاية 1510.

مدينة الجزائر التي لم يكن لديها جيش ولا مدفعية كافية لمواجهة الجيش الإسباني بدأت في التخوف، خصوصا بعد أن بنى الأسبان عام 1510  قلعة على واحدة من الجزر التي تواجه المدينة، ملوك الجزائر سليم التومي وسيدي أحمد أولقاضي نادوا الإخوة بربروس الألبانيين من أصول لسبوسية لنجدتهم فقدم الأخوين وطافا البحر الأبيض المتوسط ​​والسواحل الإسبانية لمساعدة المسلمين ضحايا الاسترداد الإسباني.

استقر عروج بربروس أول الأمر بجيجل ثم استولى على الجزائر في عام 1516 على رأس 1.300 رجل تركي وأسطول من 16 غاليوت (سفينة شراعية) ليصبح سيد المدينة بعد أن ضيق الخناق على سليم، لجئ سليم التومي إلى مسقط رأس عائلته كوكو (إيفيغاء).

نظم إدارة المدينة وعزز نظام الدفاع من خلال بناء تحصينات. فتح كل المناطق الداخلية وغرب الجزائر: متيجة والشلف والتيطري والظهرة والونشريس ثم بعد ذلك مملكة تلمسان.

قتل عروج بربروس في ريو سالادو (بالإسبانية: Rio Salado) (تعرف اليوم بالمالح) مهزوماً من قبل الإسبان عام 1518 أثناء عودته من حملة ضد ملك الزيانيين أبو حمو موسى.

خلف خير الدين بربروس أخاه ومن أجل بسط سلطته تعهد بالولاء لسلطان القسطنطينية سليم الأول الذي أرسل للجزائر 6.000 رجل منها 2000 انكشاري (قوات النخبة التركية) وعينه أمير الأمراء (بايلرباي) المغرب الأوسط فرد الهجمة الإسبانية بقيادة هوغو دي مونكادا (بالإسبانية: Hugues de Moncade) في عام 1519 واستولى على قسنطينة وعنابة وتنس وشرشال ومستغانم.

في عام 1529 قام بهدم الصخرة المشرفة على مدينة الجزائر وبنى بمواد الهدم رصيف يربط الجزر الأربع بالمدينة ليصبح للمدينة ميناء. عقد معاهدة سلام مع سليم التومي وتزوج ابنة أخيه التي رزق منها بطفل ولد بأورير في منطقة القبائل.

بمجرد صد الأسبان، مدينة الجزائر ذات الميناء وبقيادة الزعيم العسكري بدأت بنجاح متزايد في مهاجمة السفن في عرض البحر (قورصو) ونهب المناطق الساحلية الأوروبية.

أصبحت مدينة الجزائر ميناء عسكري كبير حازت لقب المحروسة بعد سلسلة الانتصارات في الحملات الخارجية.

الأيالة كانت منظمة بشكل جيد ومجيشة ضد الأطماع الإسبانية. قام ملك إسبانيا، أقوى ملوك أوربا كارلوس الخامس عام 1541 بجمع أسطول مكون من 65 سفينة حربية و451 سفينة و23.000 مقاتل منهم 2.000 فارس وتقدم لفرض حصار على المدينة.

نتيجة تعطل وتدمر معظم أسطوله بسبب عاصفة شديدة، الهجوم على مدينة الجزائر من قبل كارلوس الخامس كان فشل ذريع للإسبان أمام الهجوم المضاد بقيادة حسن آغا.

عام  1540  أثناء فترة حكم البايلربايات بالجزائر، أطلق البابا بولس الثالث حملة صليبية ضد الجزائريين. كان كارلوس الخامس الوحيد الذي استجاب وأبدى الرغبة في إخضاع المغرب العربي فقام بجمع الرجال من إسبانيا وإيطاليا ووصل إلى أرض الجزائر عام 1541 لكن تدخل العثمانيين أدى إلى هزيمته. في 1550 أثناء حكم صالح رايس تم ضم دولة تلمسان إلى أيالة الجزائر.

تم ضم بجاية كذلك إلى أيالة الجزائر أثناء حكم صالح رايس، مدينة وهران كانت تحت الحصار وأخذت عدة مدن في شرق وجنوب البلاد مثل بسكرة وورقلة وتقرت. بعد مشاركته في معركة ليبانتو ضد فرسان الإسبتارية عين أولوج علي باشا على الجزائر حيث غزا مملكة تونس.

بسبب الصراعات الداخلية تم في 1601  انتخاب الدايات لمواجهة قوة الباشاوات وفي 1603  تمرد العرب والبربر والكولوغليس ضد سلطة الدايات. المؤامرة أدت إلى وفاة عدت ألآف لكن النظام بقي هو نفسه. عانت أيالة الجزائر مع مطلع القرن التاسع عشر عدة خسائر ومن ثم وقعت معاهدات واتفاقيات سلام مع بعض البلدان في أوروبا وأمريكا منها: إلغاء رق المسيحيين وإطلاق سراحهم. تدهور العلاقة بين أيالة الجزائر وفرنسا أدى إلى الغزو الفرنسي للجزائر، تم احتلال عدت بايلكات وبقى البعض الآخر مستقلاً، في عام 1837 تم احتلال قسنطينة واختار أحمد باي الذهاب إلى فرنسا في عام 1848  بدل التحالف مع الأمير عبد القادر.

في منتصف القرن السادس عشر كانت الجزائر العاصمة تتكون من 12.000 سكن من بينها 6.000 يسكنها مسيحيون أوروبيون أو يهود اعتنقوا الإسلام وهو ما يمثل 25.000 مواطن من هذه الفئة من أصل 50.000 هم سكان المدينة آنذاك، إذ لم تكن تسلم شهادة الجنسية إلا للذين اعتنقوا الإسلام.

في الفترة ما بين 1610 - 1620  تراوحت تقديرات السكان بين 150.000 و 200.000 نسمة في حين عام 1730 قدر عدد سكانها بـ 100.000 نسمة دون عد العبيد.

قدر عدد سكان إيالة الجزائر 1.500.000 و 5.000.000 نسمة. كان الجزائريين يتكونون من إجمالي عدد السكاني و هم العرب و الأمازيغ و بعض القبائل الصحراوية و بعد دخول الأتراك العثمانيين ظهر عرقان هما الأتراك و الكراغلة وذلك مطلع القرن الرابع عشر مع وجود الأندلسيين وذلك لعوامل منها: هجرات الامازيغ من مصر إلى شمال إفريقيا الفتوحات الإسلامية مجيء العثمانيين و ظهور الكراغلة هجرة الأندلسيين إلى الجزائر و تمركزهم في اغلب المدن

تكون الجيش الجزائري من ثلاث فرق هي السباهين والانكشاريين والجيش البحري يشرف عليهم: -مجلس الديوان العسكري(رؤساء الجند) -مجلس الرياس ويضم قادة البحرية ورؤساء المراكب حيث عرف الاسطول الجزائري تطورا كبير و ذلك بفضل الاخوة عروج من مطلع القرن 16الى بداية القرن 19 و كان له اهميات تمثل في: الاهمية العسكرية تحرير السواحل الجزائرية وحماية سفن الدول المتعاهدة مع الجزائر الاهمية الاقتصادية المالية كونه احد مصادر الدخل و دوره الفعال في تنشيط الموانئ الاهمية السياسية اعطاء مكانة دولية للجزائر.

عرفت ازدهارا كبيرا تميزت بتنوع ووفرة المنتوجات الغذائية كالحبوب والأشجار المثمرة والبقول والخضر بمختلف أنواعها نتيجة وفرة الأراضي الخصبة وخصوصا المروية منها، كما جلب الأندلسيون معهم زراعة البستنة وتربية دودة القز وتقطير الزهور. ب- الصناعة : كانت المدن الجزائرية تختص بالصناعات الحرفية مثل الصناعة الجلدية والنسيجية والأواني والزجاج...وقد كانت هذه الصناعات غير مسايرة للتطورات الواقعة في أوروبا. ج-التجارة :كان للأسطول البحري الجزائري دورا كبيرا في حماية التجارة الوطنية وكذلك ما يدره من غنائم كثيرة وإتاوات مفروضة على أساطيل الدول الأجنبية من أهم صادراتها القمح والصوف مقابل استيرادها المواد الصناعية والأقمشة... 2-الجانب الاجتماعي :تكون سكان الجزائر من ثلاث فئات هي: أ-الفئة الحضرية: سكان المدن وهم الأقلية التركية الكثيرة الامتيازات بالإضافة إلى جماعة الكراغلة والحضر والأشراف والنبلاء والأندلسين. ب- الفئة الريفية: وهم الأغلبية 90% من السكان يمارسون الزراعة والرعي. ج-الفئة الأجنبية : وهم اليهود المهاجرين من الأندلس والأسرى الأوروبيين كما احتكر اليهود قطاع المالية. 3- الجانب الثقافي: عاش المجتمع الجزائري على ما ورثه من الثقافة الإسلامية التي ازدهرت في العصر الوسيط (تيهرت-بجاية –تلمسان)ولم يساير ثقافة العصر الحديث، كما لعبت الزوايا والطرق الصوفية دورا بارزا في نشر العلم والمعرفة، وارتكز التعليم على الجانب الديني.

 ظهور بوادر التوتر بعد أن دخلت أوروبا مرحلة الثورة الصناعية وعدم مواكبة الصناعة الجزائرية لهذا التطور مما أدى إلى اختلال التوازن العسكري بين الطرفين الجزائري والأوروبي من مظاهره شن حملات عسكرية متكررة على الموانئ الجزائرية بهدف إضعاف القوة البحرية الجزائرية وشل نشاطها الاقتصادي والعسكري. حملة بريطانيا على مدينة الجزائر عامي 1660-1670 وحملة أكسموث سنة 1816 بدعوى تنفيذ قرار مؤتمر فيينا. الحملة الفرنسية على الجزائر وشرشال عامي 1682-1683م . الحملة الأسبانية على وهران في يوليوز 1732م. معركة ميناء الجزائر ضد القوات الفرنسية في 4 أكتوبر 1827م.

في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي بدأت السفن الأمريكية بعد أن استقلت أمريكا استقلالها عن إنجلترا سنة 1776م ترفع أعلامها لأول مرة سنة 1783م، وتجوب البحار والمحيطات. وقد تعرض البحارة الجزائريون لسفن الولايات المتحدة، فاستولوا على إحدى سفنها في مياه قادش، وذلك في يوليو 1785م، ثم ما لبثوا أن استولوا على إحدى عشرة سفينة أخرى تخص الولايات المتحدة الأمريكية وساقوها إلى السواحل الجزائرية. ولما كانت الولايات المتحدة عاجزة عن استرداد سفنها بالقوة العسكرية، وكانت تحتاج إلى سنوات طويلة لبناء أسطول بحري يستطيع أن يواجه الأسطول الجزائري اضطرت إلى الصلح وتوقيع معاهدة مع الجزائر في سبتمبر 1795م، وقد تضمنت هذه المعاهدة 22 مادة، وهذه الوثيقة هي المعاهدة الوحيدة التي تعهدت فيها الولايات المتحدة بدفع ضريبة سنوية لدولة أجنبية، وبمقتضاها استردت الولايات المتحدة أسراها، وضمنت عدم تعرض البحارة الجزائريين لسفنها. وظلت الولايات المتحدة تدفع هذه الضريبة حماية لسفنها حتى سنة 1812م، حيث سدد القنصل الأمريكي في الجزائر 62 ألف دولار ذهبا، وكانت هذه هي المرة الأخيرة التي تسدد فيها الضريبة السنوية.

حادثة المروحة كانت الذريعة أو السبب غير المباشر لإعلان فرنسا الحرب على الجزائر ومن ثم احتلالها. جرت الحادثة في قصر الداي حسين عندما جاء القنصل الفرنسي شارل دوفال إلى القصر، وهناك طالب الداي بدفع الديون المقدرة ب 20 مليون فرنك فرنسي، عندما ساعدت الجزائر فرنسا حين أعلنت الدول الأوروبية حصارا عليها بسبب إعلان فرنسا الثورة الفرنسية. فرد القنصل على الداي بطريقة غير لائقة بمكانته إضافة إلى أن الداي صاحب حق، فرد الداي حسين بطرده ولوح بالمروحة. فبعث شارل العاشر بجيشه بحجة استرجاع مكانة وشرف فرنسا. وهذه الذريعة كانت السبب في الحصار على الجزائر سنة 1828 لمدة 6 أشهر وبعدها الاحتلال ودخول السواحل الجزائرية.

حاولت الإدارة الفرنسية عند احتلالها للجزائر أن تضفي الشرعية على هذه الحملة ,هادفة من خلال ذلك إلى إقناع الرأي العام الفرنسي قبل العالمي بمصداقية هذا الفعل ,مؤمنة أنه لا وجود لنتائج إيجابية دون مقدمات -سواء كانت صادقة أو كاذبة - ,و بذلك قامت بتعبئة الرأي العام الفرنسي قبل موعد الحملة، وتصوير هذه الأخيرة على أنها حملة لاسترجاع هيبة وشرف فرنسا الذين داسا عليهما داي الجزائر ’’حسين ’’ فيما اصطلح عليه بحادثة المروحة.

كانت الجزائر خلال العهد العثماني من أقوى الدول في حوض البحر الأبيض المتوسط، كما كانت تحتل مكانة خاصة في دولة الخلافة هذه إذ كانت تتمتع باستقلال كامل مكنها من ربط علاقات سياسية وتجارية مع أغلب دول العالم، بل وهي أول دولة اعترفت بحكومة الثورة الفرنسية عام 1789م وبالثورة الأمريكية بعد استقلالها عن التاج البريطاني عام 1776م. كان الاسم الحقيقي للدولة الـجـزائـريـة هو أيالة الجزائر وأحيانا اسم مملكة الجزائر، وأبرمت عشرات المعاهدات مع دول العالم.

كما بلغ أسطولها البحري قوة عظيمة بحيث استطاع خلال القرن الثامن عشر إحداث نظام للملاحة في المتوسط يضمن أمن الدولة الجزائرية خاصة والدولة العثمانية عامة وبصورة أعم بالنسبة للتجارة الدولية في هذا البحر، وهو ما جعل الدول الأوربية تعمل على إنهاء هذا النظام تحت غطاء إنهاء ما كان يسمى بـ " القرصنة " التي كانت تمارسها جموع المغامرين الأوربيين بموافقة دولهم ومؤازرتها لهم. في حين أن ذلك كان أسلوبا دفاعيا لمواجهة المد الاستعماري الذي انطلق منذ القرن الخامس عشر والذي دخلت الجزائر بمحض اختيارها من أجله ضمـــن "الخلافة العثمانية " وتحت حمايتها.

لقد بادرت فرنسا في "مؤتمر فيينا "1814/ 1815 م بطرح موضوع " أيالة الجزائر " فاتفق المؤتمرون على تحطيم هذه الدولة في مؤتمر " إكس لا شابيل " عام 1819 م حيث وافقت 30 دولة أوربية على فكرة القضاء على " دولة الجزائر" وأسندت المهمة إلى فرنسا وانكلترا، وتوفرت الظروف المناسبة للغزو عندما تمكنت بحرية البلدين من تدمير الأسطول الجزائري في معركة " نافارين" Navarin سنة 1827م، حيث كان في نجدة الأسطول العثماني وبذلك انتهت السيطرة الجزائرية على البحر الأبيض المتوسط. لقد كانت حادثة المروحة الذريعة التي بررت بها فرنسا عملية غزو الجزائر. بعد ضرب الداي حسين قنصل فرنسا بالمروحة نتيجة لاشتداد الخصام بينهما نظرا لعدم التزام فرنسا بدفع ديونها للخزينة الجزائرية التي قدمت لها على شكل قروض مالية ومواد غذائية بصفة خاصة خلال المجاعة التي اجتاحت فرنسا بعد ثورة 1789م، والتي قدرت بـ 20 مليون فرنك ذهبي في ذلك الوقت. فقرر الملك الفرنسي شارل العاشر إرسال أسطول بحري مبررا عملية الغزو بالثأر لشرف فرنسا والانتقام من الداي حسين.

تعرضت سواحل الشمال الأفريقي في تونس والجزائر والمغرب لغزو مسلح من قبل أسبانيا والبرتغال بعد أن سقطت دولة الإسلام في الأندلس في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، وهو الأمر الذي جعل أهالي الجزائر يستغيثون بالدولة العثمانية الفتية، ويطلبون عونها، بعد ما رؤوه من ضعف الدولة الزيانية التي لم تعد قادرة على حماية أراضيها من الحملات الإسبانية والبرتغالية. بلإضافة إلى تنازع سلاطينها، فاستجابت لندائهم الدولة العثمانية وضمت الجزائر لحمايتها، وبعثت بقوة من سلاح المدفعية، وألفين من الجنود الانكشارية، وأذن السلطان سليم الأول لمن يشاء من رعاياه المسلمين بالسفر إلى الجزائر، والانخراط في صفوف المجاهدين تحت قيادة خير الدين بارباروسا الذي نجح في إنشاء هيكل دولة قوية، بفضل المساعدات التي تلقاها من الدولة العثمانية، واستطاع أن يوجه ضربات قوية للسواحل الأسبانية، وأن يجعل من الجزائر دولة قوية تهابها الدول الأوروبية.

ظلت الجزائر لمدة ثلاث قرون القاعدة الأولى لقوات الجهاد البحري الإسلامي في بلاد المغرب (المغرب العربي)، فلقد قامت البحرية الجزائرية بدورها على خير وجه، فهاجمت السواحل الشرقية لأسبانيا دون أن تجد من يقاومها، وكانت تعود في كل مرة بالأسرى والغنائم، كما هاجمت سواحل سردينيا وصقلية ونابولي، وهددت الصلات البحرية بين ممتلكات الإمبراطورية الأسبانية وممتلكاتها في إيطاليا، وكان رجال البحرية الجزائرية يهاجمون سفن الأعداء، ويأسرون بحارتها، ويستولون على السلع والبضائع التي تحملها. وفشل الأوربيون في إيقاف عمل المجاهدين، وعجزت سفنهم الضخمة عن متابعة سفن المجاهدين الخفيفة وشل حركتها. وقد ساعد على نجاح المجاهدين مهارتهم العالية، وشجاعتهم الفائقة، وانضباطهم الدقيق، والتزامهم بتنفيذ المهام الموكلة إليهم. وصار لرجال البحر الجزائريين مكانة مرموقة في مدينة الجزائر التي كان يعمها الفرح عند عودتهم، فكان التجار يشترون الرقيق والسلع التي يعودون بها، وكان نصيب البحارة من الغنائم كثيرا وهو ما أغرى الكثير بدخول البحرية والانتظام ضمن صفوفها، حتى إن عددا كبيرا من الأسرى المسيحيين كانوا يعلنون إسلامهم وينخرطون في سلك البحرية، وكان يطلق على هؤلاء اسم "العلوج".

ومع مرور الوقت اعتمدت الجزائر على أعمال هؤلاء وما يقومون به من مهاجمة السفن الأوربية والاستيلاء على بضائعها، وبعد أن كانت أعمال البحرية الجزائرية تتسم بطابع جهادي صارت تتسم بطابع تجاري، وبعد أن كانت تهدف إلى الحد من تغلغل الأوربيين في المغرب العربي وتحطيم شوكة أساطيلهم لتبقى عاجزة عن غزو البلاد، صارت تلك الأعمال حرفة لطلب الرزق. وقد عادت هذه الأعمال بالغنى الوافر على البلاد نتيجة للغنائم التي يحصلون عليها، بالإضافة إلى الرسوم التي كانت تفرضها الحكومة الجزائرية على معظم الدول الأوربية نظير عدم تعرضها لهجمات هؤلاء البحارة، فقد كانت بريطانيا تدفع سنويا 600 جنية للخزانة الجزائرية، وتقدم الدانمارك مهمات حربية وآلات قيمتها 4 آلاف ريال شنكو كل عام مصحوبة بالهدايا النفيسة. أما هولندا فكانت تدفع 600 جنيه، ومملكة صقلية 4 آلاف ريال، ومملكة سردينيا 6 آلاف جنيه، والولايات المتحدة الأمريكية تقدم آلات ومهمات حربية قيمتها 4 آلاف ريال و10 آلاف ريال أخرى نقدا مصحوبة بهدايا قيمة، وتبعث فرنسا بهدايا ثمينة عند تغيير قناصلها، وتقدم البرتغال هدايا من أحسن الأصناف، وتورد السويد والنرويج كل سنة آلات وذخائر بحرية بمبالغ كبيرة، وتدفع مدينتا هانوفر وبرن بألمانيا 600 جنيه إنجليزي، وتقدم أسبانيا أنفس الهدايا سنويا. كانت كل هذه الأموال تمد الخزينة الجزائرية بموارد سنوية هائلة طوال ثلاثة قرون، فضلا عن الضرائب التي فرضتها الحكومة على الأسرى والأسلاب والغنائم التي كانت تتقاضاها من رؤساء البحر لدى عودتهم من غاراتهم على السواحل الأوربية. وأدى وجود عدد كبير من أسرى الفرنجة، وخاصة ممن كانوا ينتمون منهم للأسر الغنية إلى قيام تجارة مربحة، فقد كان هؤلاء الأسرى يباعون ويشترون في أسواق محددة، وكان من يملكونهم يفاوضونهم في فدائهم أو يفاوضون من ينوبون عن أسرهم في ذلك، وفي بعض الأحيان كانوا يفاوضون الجمعيات الدينية التي كانت تتولى القيام بتقديم الفدية بالإنابة عن أهليهم مثل جمعية الثالوثيين واللازاريين.

 



شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا