أضيف في 15 دجنبر 2016 الساعة 20 : 03

ضرورة تخلّي الأحزاب عن نظرية ''الانتقال الديموقراطي''


محمد جبرون

يعيش المغرب منذ أسابيع على وقع نقاش عميق وقلِق بين الفاعلين السياسيين حول موضوع عودة "التحكم" إلى الحياة السياسية، ومستقبل الانتقال الديموقراطي الذي انطلقت في دورة جديدة عقب أحداث "الربيع العربي"، وذلك بمناسبة الانتخابات التشريعية يوم السابع من أكتوبر. وإذا كان الاهتمام بهذا الموضوع يشكل قاسماً مشتركاً بين سائر الأحزاب الوطنية مع تفاوت بينها، فإن اهتمام حزب العدالة والتنمية به أكبر بكثير، إلى درجة أمست مواجهة "التحكم" ومقاومته لدى هذا الحزب معركة مصيرية أو تكاد تكون، بحيث لا تجد بين القادة من يجرؤ على معارضة هذا التوجه.

من حيث المبدأ الديموقراطي هناك أكثر من سبب وجيه ومعقول يضفي الشرعية على مواقف الأحزاب الوطنية المغربية الرافضة للتحكم وآلياته بما فيها حزب العدالة والتنمية، وليس أقلها مفهوم الحزب ذاته الذي يتأسس على فكرة طلب السلطة من خلال الانتخاب، غير أن تَنَزلَ هذا المبدأ في الزمان والمكان المغربيين وفي الظرف الإقليمي والدولي الراهن يطرح تحديات عدة وأسئلة تنال في جملتها من المعقولية المطلقة لأطروحة مواجهة "التحكم"، وخاصة في علاقتها بحزب العدالة والتنمية الذي يفترض فيه نوعاً من الأصالة في الطرح السياسي.

في ماهية التحكم
إن "التحكم" هو تدخل قوى مضادة للديموقراطية في الحياة السياسية بأساليب مختلفة بهدف إنتاج "سلطة منافقة"، تعيد إنتاج شرعية الاستبداد وتحديثها من خلال ديموقراطية الواجهة. وقد أمسى هذا التدخل، لتكراره في المشهد السياسي المغربي الحديث، تقليدياً، بحيث كان لازمة ثابتة في معظم الاستحقاقات السياسية والانتخابية التي عاشها المغرب منذ الاستقلال. والتحكم من هذه الناحية هو أحد انعكاسات التحديث السياسي القسري الذي شرع فيه المغرب مع حلول الاستقلال وفي سياق صراعي بين الملكية من جهة وأحزاب الحركة الوطنية من جهة ثانية.
وإذا كان التحكم في القاموس السياسي الراهن هو وصف توصف به الممارسات والأفعال ويغفل عمداً عن الحديث في الجهات التي تقف وراءه لأسباب يتفاوت الناس في إدراكها، فإن هذه الجهات لا تنفصل عن الملكية والجهاز المخزَني الذي تُشْرِف عليه ممثلاً في: أم الوزارات وامتداداتها في الإدارة العمومية؛ والحقل الحزبي؛ والأجهزة الأمنية المختلفة. وبالرغم من حداثة هذا الدَّال (اللفظ) في اللسان السياسي المغربي، وارتباطه بتجربة حزب العدالة والتنمية فإنه كمدلول قديم، وكان يُعبر عن فحواه بألفاظ أخرى تؤدي نفس المعنى المتداول حالياً، ومن أبرز هذه الألفاظ والعبارات الحزب السري، حزب الداخلية، حكومة الظل، المخزن، الدولة العميقة...
لقد كان التحكم كممارسة في نشأته الأولى صادراً بالدرجة الأولى عن النظام، وانعكاساً لفشل النخبة السياسية المغربية في بناء نظام سياسي حديث يؤسس لشراكة استراتيجية بين الحركة الوطنية والملكية، شراكة تحفظ الاستمرارية الفعلية للمخزن والملك كحاكم من جهة، وتفسح المجال للحركة الوطنية لممارسة السلطة من جهة ثانية.
ومن ناحية أخرى، ومقابل هذه الممارسة التحكمية وفي جهة الحركة الوطنية، تمخضت عن هذا الفشل الحاجة للديموقراطية، فأحزاب الحركة الوطنية التي وجدت نفسها غداة الاستقلال مقصية من السلطة لم تجد غير الديموقراطية مطلباً للتعبير عن تطلعاتها المشروعة لممارسة السلطة ومواجهة الملكية المطلقة.
إن التحكم بهذا المعنى هو النقيض الموضوعي للديموقراطية والانتقال الديموقراطي، ومن ثم فامتداد التحكم واتساعه يعني بصورة واضحة انكماشاً ديموقراطياً، وإجهاضا لآمال الانتقال الديموقراطي، كما أن استئناف المسلسل الديموقراطي وتراكم خطواته يعني، في الجهة الأخرى، انكماشاً لقوى التحكم وتقهقرها. والحياة السياسية المغربية بعد الاستقلال وإلى اليوم هي جدل وتفاوض مجهض بين طرفي هذه الثنائية (التحكم/الديموقراطية)، غير أن الغلبة كانت دائما لقوى التحكم لأسباب كثيرة ليس هذا مجال تفصيلها.

في إمكانية تجاوز التحكم
تأسيساً على ما سبق، إن تجاوز إشكالية التحكم والدخول في عصر الديموقراطية بالنسبة إلى المغاربة نظاماً وأحزاباً يبدو وكأنه مستحيل في ضوء مقولة "الانتقال الديموقراطي"، والتي لم تنجح الحركة الوطنية والفصائل السياسية المغربية المختلفة على مدى ستين عاماً تقريباً، وبالرغم من التضحيات الجسيمة التي قدمتها، في تحقيق تقدم سياسي كبير ونوعي في إطارها، حيث كلما فتح قوس الانتقال الديموقراطي لسبب من الأسباب أو لعارض داخلي أو خارجي (انتفاضات، انقلابات، أزمات حادة) إلا وأغلقَ سريعاً وفي أقرب فرصة مواتية عند ارتفاع هذا العارض. ولعل الجيل الحالي يذكر جيداً حيثيات وظروف إجهاض آخر مشروع في هذا الباب مع حكومة التناوب (1998-2002). فالتحكم بهذا المعنى هو تعبير آخر عن الخصوصية السياسية المغربية التي لم ينجح الزمان في إضعافها والتقليل من آثارها، والتي فشلت كثير من تعبيرات الحركة الوطنية المغربية في تضمينها برامجها والبناء عليها.
إن هذا التقييم السياسي لحصيلة الصراع والجدل بين التحكم والديموقراطية في تاريخ المغرب الحديث يقودنا إلى تساؤل مركزي وهو: هل نجح العقل السياسي المغربي في مغرب الاستقلال في وضع إطار نظري لنظام سياسي حديث يتلاءم مع الخصوصية المغربية في أبعادها المختلفة؟، هل كانت الحركة الوطنية والملكية مدركتان لحساسية واستراتيجية ما هم بصدده سياسياً غداة الاستقلال؟
وعن هذا التساؤل تتفرع جملة من الأسئلة الأخرى من قبيل: هل مقولة الانتقال الديموقراطي كأطروحة نظرية للنضال السياسي للأحزاب الديموقراطية الوطنية مقولة صحيحة ولا زالت صالحة لتأطير المبادرة السياسية الحزبية؟، هل مواجهة التحكم كعنوان للمرحلة السياسية الحالية عنوان سليم يأخذ بالاعتبار ماهية التحكم والخصوصية المغربية في بعدها "السياسي– التاريخي" أم أنه خدمة غير مباشرة لقوى التحكم، بوعي أو بدونه، تيسر لها سبل إغلاق القوس الديموقراطي؟.
إن هذه المفهمة والتحليل وما نجم عنهما من أسئلة تحيلنا ثقافياً وسياسياً إلى بداية البدايات أي لحظة الانطلاق (الاستقلال) التي كانت لحظة بحث "بريء" عن شراكة سياسية بين الملكية والحركة الوطنية، وتعيد لنا، أيضاً، الأمل في الخروج من المأزق، وتتيح لنا، ثالثاً، التفكير في إمكانية بناء نظام سياسي ملائم للخصوصية التاريخية والثقافية المغربية لا هو بالملكية المطلقة ولا هو بالملكية البرلمانية، وهو ما فشل فيه الجيل الأول من أبناء الحركة الوطنية.
وجواباً على التساؤل المركزي السالف يمكن القول، وباطمئنان شديد، وانطلاقاً من مآلات ومخاضات الحياة السياسية المغربية: إن كلّا من الملكية والحركة الوطنية فشلا في بناء نظام سياسي عصري يتلاءم مع معطيات الخصوصية المغربية، وظلت العلاقة بينهما على هذا الصعيد متوترة تعكس تبايناً واضحاً في الرؤى حول طبيعة نظام الحكم العصري بالمغرب، وما يجب أن يكون عليه الوضع مستقبلاً، وذلك خلال المدة الفاصلة بين الاستقلال والربيع العربي (2011). وعكست النقاشات السياسية التي شهدها المغرب على هامش الاستشارات الدستورية التي عرفها في ماضيه بعضاً من هذا التباين الجذري، فالملكية من خلال امتداداتها كانت تحاول دائماً فرملة الطموحات الديموقراطية، بينما الأحزاب الديموقراطية كانت تعاكسها وتحاول توسيع الهامش الديموقراطي.





إن هذا الفشل لا تفسره عوامل السياسة التقليدية من قبيل تعارض المصالح والطموحات، بل يرجع لأسباب عميقة مرتبطة بالمرجعية الثقافية التي أطَرت جهود العصرنة بعد الاستقلال، وبالتالي فهو يعكس، في نظرنا، فشلاً واضحاً في تدبير الخصوصية في سياق بناء الدولة الوطنية الحديثة، بين طرف يسعى إلى المحافظة السياسية ويتسم بقدر كبير من الرجعية في مفاهيمه السياسية (المخزن) وطرف يسعى إلى المعاصرة والتحديث ويتسم بقدر كبير من التقدمية في مفاهيمه (أحزاب الحركة الوطنية).
ويمكننا في هذا السياق الإحالة على وثيقتين فكريتين بالغتي الدلالة في هذا السياق وهما كتاب "الأيديولوجية العربية المعاصرة" (1967) لعبدالله العروي، وكتاب "النقد الذاتي" (1949 - 1952) لعلال الفاسي، وكلاهما يؤسسان لفكر سياسي تقدمي يناقض تماماً رغبات المخزن المحافظة، وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن هذا النقاش بدأ في المغرب قبيل الاستقلال.
إن هذا التقاطب القائم على سوء فهم الخصوصية وسوء توظيفها في الحياة السياسية يرجع للانشقاقات الثقافية الحادة التي عانت منها الثقافة السياسية المغربية غداة الاستقلال، حيث انقسم الفاعلون السياسيون المغاربة بين ثلاث تيارات رئيسة بين تيار تقدمي (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) وتيار سلفي (حزب الاستقلال) وتيار تقليدي (المخزن)، وهو ما لم يسمح بظهور مفاهيم موحدة حول مرجعيات وطبيعة النظام السياسي الصالح للمغاربة في سياق بناء الدولة الوطنية العصرية.
ومن ثم، فمقولة الانتقال الديموقراطي هي مظهر من مظاهر هذا الفشل، وتعبر في جانب كبير منها عن تمزقات الفكر السياسي المغربي في الستين سنة الماضية، بحيث كانت تستند إلى أطروحة تقدمية أو "سلفية" (سلفية علال الفاسي) لا تأخذ بالاعتبار حجم التقليد ووجوده في المغرب، الشيء الذي جعلها إحدى مفردات الصراع وليست جواباً نضالياً وسياسياً لمرحلة معينة.
وهكذا؛ فبناء نظام سياسي حديث في المغرب والخروج النهائي من مأزق ثنائية التحكم/الديموقراطية، والقطع نهائياً مع تاريخ الصراع.. لا يحتاج ولن يتحقق باستدعاء مقولة الانتقال الديموقراطي وبعثها من جديد، بل يحتاج إلى تأليف مبدع بين التقليد والحداثة السياسية بما يحفظ للملكية حضورها الفعلي، ويتيح للمواطنين المشاركة في السلطة من خلال ممثليهم.

الحاجة إلى مراجعة أطروحة الانتقال الديموقراطي
إن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق التحليلي: هل أحزاب الحركة الوطنية بما فيها حزب العدالة والتنمية مستوعبة لهذا المأزق الثقافي الذي تعيشه السياسة في المغرب، ومستعدة لإحداث النقلة الفكرية الضرورية التي يتطلبها؟ لا يبدو في واقع الحال شيء من هذا، غير أن حزب العدالة والتنمية ولاعتبارات كثيرة مؤهل للقيام ببعض من ذلك.
إن الهجوم الكاسح الذي تشنه عدد من الأحزاب الوطنية على التحكم، وفي طليعتها حزب العدالة والتنمية، يؤكد أن المغرب يقترب تدريجياً من لحظة إغلاق القوس الديموقراطي، وأن ما عاناه المغرب على مدى الستين عاماً الماضية لم يغير شيئا من إدراك الطبقة السياسية لثنائية التحكم / الديموقراطية. فحزب العدالة والتنمية في هذه القضية، على سبيل المثال، شبيه بعدد من أحزاب الحركة الوطنية التي قضت في هذا الصراع، واستنفذت طاقتها الإصلاحية في معاركه، وهو على سكة استعادة نفس الصراع التقليدي الذي فوت على المغرب فرصاً سانحة للتقدم والنهضة. والأستاذ عبد الإله بن كيران هو الآخر شبيه بعلال الفاسي، وبوعبيد، واليوسفي.. إلخ. ومن المرجح إذا استمر التوتر على هذا النحو أن يؤدي العدالة والتنمية الثمن نفسه الذي أداه سابقوه في هذه المعركة، فحديث قادة الحزب وبياناته عن التحكم وامتداداته وأساليبه، والتشدد في مواجهته لا يؤشر على فهم جديد ونوعي لظاهرة التحكم، ولا يؤسس لطور مختلف في العمل السياسي بالمملكة المغربية.
بطبيعة الحال السؤال الذي يطرحه أكثر من قارئ بعد هذا التحليل: هل هناك من سبيل لتجاوز هذا المأزق السياسي المزمن ومن ثم الخروج من ضغط مقولة التحكم؟، وهل من دور لحزب العدالة والتنمية في هذا السبيل؟.
نعم؛ أظن أن فرصة تجاوز هذا المأزق المزمن متاحة، ويمكن لحزب العدالة والتنمية أن يسهم بقوة في هذا التجاوز، ولعل أول موقف/ مفتاح يجب أن يقدم عليه كمدخل لتسوية هذه الإشكالية بصورة نهائية هو إعادة النظر في مقولة الانتقال الديموقراطي، التي أطرت النضال السياسي للحركة الوطنية المغربية منذ الاستقلال وإلى اليوم، حيث كانت جل أطاريح أحزابها مجرد صدى لهذه المقولة.
فالحزبية المغربية اليوم مطالبة بإغلاق النقاش حول طبيعة النظام السياسي، وفي صلبه مسألة توزيع السلطة بين المؤسسات المنتخبة والملكية، ولا يمكن لهذا الحسم أن يتجاهل حقائق الماضي القريب والخصوصية التاريخية المغربية. فلم يعد، بالنسبة إلي اليوم، مفهوماً استمرار الأحزاب الوطنية المغربية على عقيدتها الأولى التي أنشأتها ظروف الاستقلال، ولا بد اليوم من ابتكار أطروحات سياسية جديدة تتجاوز عقدة الانتقال الديموقراطي إلى رهانات سياسية تنموية واقتصادية، وفي ظل شراكة حقيقية ومسؤولة مع الملكية، ومما لا شك فيه أن مثل هذا التحول سيفقد التحكم قيمته السياسية والاستراتيجية، وسيجعله مجرد عبء سياسي لا فائدة سياسية ترجى منه.
إن التخلي عن عقيدة الانتقال الديموقراطي سيؤدي إلى تحولات نوعية على صعيد الفكر السياسي المغربي، فمن جهة سيضفي الشرعية الديموقراطية والسياسية على النظام السياسي، وسيجعل من الخصوصية في بعديها التاريخي والديني (الملكية الحاكمة) مظهرا آخر للاستثناء والتفرد المغربي، ومن جهة ثانية سيخرج النظام السياسي المغربي على صعيد الوعي من حالة عدم الاستقرار السياسي التي يشعره بها الحديث المتكرر عن مشروع الانتقال.
إن حزب العدالة والتنمية كدفق جديد ونوعي في الحياة السياسية المغربية مؤهل ثقافياً وسياسياً للقيام بهذه الثورة في الفكر السياسي المغربي، وكان قريباً منها في بعض اللحظات. غير أن الأحداث التي شهدها المجال السياسي المغربي في الشهور الأخيرة والتكتيكات التي اقتضتها أبعدته عن هذا الهدف، ومن ثم فالحديث المتضخم عن التحكم لدى حزب العدالة والتنمية هو في الحقيقة حديث لا يفتقد للعمق الاستراتيجي والإصلاحي، فقد كان طموح هذا الحزب ومنذ عودته للحياة السياسية عام 1996 هو التوافق مع الملكية وتجنب الصراع معها.
إن مقتضى هذا الكلام هو تنبيه قادة حزب العدالة والتنمية وعلى رأسهم السيد بن كيران إلى خطورة ما ذهبوا إليه في الشهور الأخيرة بحديثهم المتكرر عن التحكم وضرورة مواجهته، وهو أمر مخالف لقناعاتهم الأولية. فالتحكم أكثر من مجرد حزب أو شخص هو ظاهرة سياسية متصلة بالملكية لها أسبابها الموضوعية، وقد حاولنا في ما سلف بيان بعض هذه الأسباب، ومن ثم لا يمكن التخلص منها إلا بنفي أسبابها وعلى رأس هذه الأسباب التخلي عن أطروحة الانتقال الديموقراطي والمساهمة في تأمين الاستقرار من خلال نظام سياسي أصيل واستثنائي.

 



شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا