أضيف في 25 نونبر 2016 الساعة 53 : 23

انتفاضة كاريير سنطرال بالدار البيضاء - 8 دجنبر 1952



بعد أن وضعت فرنسا يدها عسكريا على المغرب؛ انتقلت إلى مرحلة تشييد الطرق وإلحاق فروع شركاتها العملاقة بمحور الدار البيضاء القنيطرة، حيث أقيمت أسس الإقتصاد الجديد بالمنطقة الصناعية شرق الدار البيضاء بعد تخطيط جديد للمدينة أقامه المهندس (بروست) بأمر من المقيم العام (ليوطي)، أدى نشوء هذه المركبات الصناعية إلى استقطاب عدد كبير من المهاجرين، حيث ارتبط كريان سنطرال بالمنطقة الصناعية المعروفة «بروش نوار». (لاحقا سيتم اعتماد تخطيط المهندس الفرنسي إيكوشار لمدينة الدار البيضاء)
كان من نتائج انتشار النشاط الصناعي في شرق الدار البيضاء ترامي عدد من المستثمرين الأجانب على الأراضي الفلاحية التي كانت في حوزة “الهراويين” من أجل المضاربة ومراكمة المزيد من الأرباح، وكل ذلك بالتواطؤ مع المسؤولين المحليين من قياد وباشوات، ساهم هذا الوضع المستجد في تشريد عائلات فلاحية فقيرة تعيش على الزراعات المعيشية، ومن أهم التغيرات الديمغرافية التي طرأت على الحي الصناعي الشرقي جذب هجرة قوية إليه من مدينة الدار البيضاء (المركز والنواحي) والبوادي المجاورة، ثم من مختلف مدن وأقاليم المغرب، وذلك باستحضار التطورات العميقة التي طرأت على المجتمع المغربي من جراء تغلغل الاستعمار، وأساليبه القذرة اتجاه الفقراء؛ كانتزع أراضي الفلاحين وتفويتها إلى المعمرين وسماسرة العقار، وإحداث ترسانة قانونية من الظهائر الشريفة لضمان المزيد من السيطرة، كما لعبت الظروف الطبيعية، (الجفاف وما يترتب عنه) دورا أساسيا في هجرة آلاف من الفلاحين الفقراء غالبيتهم ينحدر من مناطق الشاوية ودكالة وعبدة والشياظمة وتادلة.
بعد الاكتظاظ العارم الذي شهده الحي مابين (1917 و1947) نتيجة الهجرة المفرطة لجأ السكان الفقراء إلى بناء أكواخ بسيطة مستوحاة من حياتهم القروية الأصلية (خيام ونوالات)، لينتقلوا فيما بعد إلى بناء أكواخهم البسيطة «البراكة» بما ترميه المصانع من أخشاب وأعمدة حديدية وسبائك القصدير.
ومن ثم ظهر لأول مرة اسم كريان سنطرال (Carrières Centrales) للدلالة على الحي الصفيحي الذي نشأ فوق المحاجر (Carrières) المجاورة للمركز (Centrales). مع توسع الصناعة بمنطقة روش نوار ازدادت القرى العمالية ذات الطابع النخبوي حيث كانت المصانع في حاجة ماسة لليد العاملة الجاهزة والقريبة من المصنع، كما ازداد انتشار الكريانات ليصبح المسمى الجديد مرادفا لأحياء الصفيح في كل أنحاء المغرب.
لم يقدم الكريان لسكانه الجدد غير المزيد من الشقاء والعذاب، فالأمراض منتشرة في كل شبر من الحي (الجذام، التيفوس)، ضعف البنية التحتية، انعدام المراحيض، انعدام قنوات الصرف الصحي، انتشار البرك الآسنة والضايات … الخ، ومدرسة وحيدة يتكدس فيها أبناء الكادحين.
هذا جزء يسير من جرائم البرجوازية في حق شعبنا، حزام الفقر هذا كان بجوار حي المعمرين الذي ينعم بكل التجهيزات لدرجة أن السلطات الفرنسية طلبت من المسؤول البلدي هدم الكريان حتى لا تنتشر الأمراض في صفوف البرجوازية الناشئة في تلك الأحياء.

شكل كريان سنطرال أرضا خصبة لما سمي أحزاب الحركة الوطنية، وتسييس قسم من الشبيبة المنحدرة من هذا الوسط الشعبي، في المقابل لم يكن بمقدور الحزب الشيوعي المغربي الانغراس في النقابات المشكلة حديثا بالحي الصناعي بفعل ميولاته الستالينية، وتبعيته للحزب الأم بفرنسا، ترك هذا الفضاء النقابي الخصب لحزب الشورى والاستقلال، ولحزب الإستقلال، هذ الاخير الذي أنشأ مجموعة من الخلايا السرية العمالية في حي كريان سنطرال، قادت فيما بعد احتجاجات وإضرابات بهذا الحي، أمام ضعف محدودية تأثير الحزب الشيوعي تمكن حزب البرجوازية والمتعاونة فيما بعد مع الملكية، من قيادة إضراب عمال معمل كوزيما للسكر، الذي أعطى دفعت قوية لحزب الاستقلال بكريان سنطرال حيث بدأ تشكيل أنوية جديدة ممتدة تنظيميا قادها شباب انخرط لأول مرة في العمل السياسي، ليتمكن الحزب من التوغل في الحي باستغلال كل الفضاءات المتاحة حينها كأدوات للعمل السياسي: المدرسة الوحيدة بالحي وبعض الأنشطة المسرحية والرياضة وحتى المناسبات الخاصة التي استخدمها كمنبر لترويج خطابه السياسي ضد المعمر الفرنسي، للتأثير في الطبقة العاملة ذات الأصول المغربية. نافس حزب الاستقلال الحزب الشيوعي داخل نقابة (cgt) للترويج لخطابه الوطني القومي داخل قسم هام من العمال المغاربة والشباب المنفتح حديثا على العمل السياسي وكتلة هامة من الكادحين، وبإيعاز من مناضلين داخل حزب الاستقلال ونتيجة أيضا للظروف السياسية المحيطة بالبلد آنذاك تم تأسيس الاتحاد المغربي للشغل يوم 20 مارس 1955 كنقابة وطنية بديلة (مغربة النقابة).





انتعش العمل السياسي بالكريان بداية سنوات الخمسينات متأثرا ببداية ظهور حركة التحرر الوطني بالمنطقة، لتتحرك معه أيضا آليات القمع التي ستطال سكان الحي بعد مشاركتهم في مجموعة من الإضرابات العمالية، حيث انتهجت السلطات المغربية في قمع احتجاجات الفقراء بالكاريان القمع المباشر، والاعتقالات العشوائية لترهيب السكان واستغلال حاجة وفقر البعض الآخر من المعطلين لاستغلالهم في الوشاية والتجسس على بعضهم البعض، هي نفس الأساليب التي تستعملها السلطات إلى حدود اليوم في إضعاف قوة الكادحين.
لم يعمل الحزب الشيوعي المغربي على تنظيم وتوعية الطبقة العاملة الفتية بالمغرب بدمج مهام التحرر الوطني بالمهام الاشتراكية المطروحة على جدول الأعمال منذ مدة، بل ظل هذا الحزب يتبع سياسة بقية الأحزاب الستالينية في المنطقة والعالم إلى أن انتهى به المسير بين أحضان الملكية.

عرف اغتيال النقابي التونسي فرحات حشاد الأمين العام للاتحاد العام للعمال التونسيين على يد عصابة اليد الحمراء الفرنسية سنة 1952 تضامنا مهما من سكان الكريان، حيث دعت النقابات المغربية وحزب الاستقلال إلى إضراب عام مدته 24 ساعة احتجاجا على هذا الاغتيال، شملت المظاهرات كريان سنطرال بين الأحد 7 ديسمبر 1952 والاثنين 8 ديسمبر 1952، حيث عملت السلطات الاستعمارية على تحذير السكان من الخروج في هذه المظاهرات عبر تسخير «البراح» لتحذير المشاركين من عواقب المشاركة، إلا أن الوضع انفجر فعلا وخرج الآلاف في مسيرات احتجاجية أرهبت المستعمر وعملائه، ليتم قمع الانتفاضة في حمام دم يجهل لحد الآن العدد الحقيقي للشهداء والمعتقلين والجرحى، حيث استعملت البنايات العالية على أكواخ الفقراء مثل المراحيض العمومية وبعض الأبنية المرتفعة لإطلاق الرصاص على المحتجين العزل، تم دفن بعض القتلى داخل البراريك خوفا من المتابعة البوليسية والاعتقال، وهناك جرحى ومعتقلين حكم عليهم بالسجن والأعمال الشاقة لسنوات، هذا بالإضافة لطرد العمال المشاركين في الإضراب من عملهم، كما تدخلت سلطات الاحتلال لدى المدراء لإخبارها بالمتغيبين يوم الإضراب ومراقبة ما إذا بهم خدوش أو ضمادات للتأكد من مشاركتهم في الإضراب.
تلت كل هذا العقاب الجماعي محاكمة ظالمة وقاسية حيث أمضى جل المحكومين عقوبتهم السجنية داخل ضيعات فلاحية للمعمرين والباشوات ليتم تسخيرهم في أعمال فلاحية. خلف هذا الكم الهائل من الاعتقالات في صفوف الرجال والشباب حالة رعب بالكريان أجبر العديد على الفرار خوفا من بطش السلطة وظلم السجون، لم تسلم النساء من انتقام السلطات حيث طردت العديد من العاملات أمثال: “عايشة المعاشي العاملة التي طردتها شركة كوزوما من العمل بسبب النشاط النقابي، وعايشة باهية أم محمد كوري العاملة في قطاع تصبير السمك وفاطمة العبدية العاملة في «لوزين الليمون» الذي كان يملكه «فكتور» واللائحة طويلة…”.
هذا ولا ننسى دور النساء الفقيرات في تحمل مسؤولية مساعدة أزواجهن المعتقلين بالسجون حيث تكلفت النساء بالزيارات وما يترتب عنها من مصاريف تثقل كاهلهن، دون أن نغفل أيضا الدور التنظيمي الكبير في تشكيل لجنة نسائية للتضامن في الكريان لجمع مساعدات مادية وعينية لعائلات المعتقلين و للأسر المحتاجة من سكان الحي، لم يكن هذا التضامن النسائي إلا شكلا جنينيا للمجتمع المنشود.

 

 



شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا