أضيف في 10 يناير 2017 الساعة 08:00

المقاومة المسلحة بمنطقة أزيلال


القوافل العسكرية الفرنسية تصل لمنطقة واويزغت

الفترة التي استغرقتها قوات الاستعمار الفرنسي في احتلال إقليم أزيلال:

بمجرد احتلال منطقة الشاوية في سنة 1908، اتجهت أنظار قوات الاحتلال إلى منطقة تادلة. فانطلقت تغزوها عبر محاور متعددة: الشاوية-وادي زم -قصبة تادلة، و زعير- وادي زم، والبروج - دار ولد زيدوح، وقصبة تادلة– بني ملال، وقصبة تادلة – القصبة الزيدانية بني عمير، والبروج – الفقيه بن صالح، وقصبة تادلة - القصبة الزيدانية - العين الزرقاء - سيدي صالح - دار ولد زيدوح وقد وجدت هذه القوات عبر كل هذه المحاور مقاومة عنيفة كما تشهد على ذلك المعارك الكثيرة التي دارت رحاها في نقط مختلفة من بلاد تادلة ولاسيما خلال الفترة من سنة 1910 إلى سنة 1916. وقد هب سكان الجبال المجاورة لمؤازرة سكان هذه المناطق ولوقف زحف القوات الاستعمارية قبل أن تصل إلى مواقعهم، فنزلت حركتا القائد موحى أحمو الزياني والقائد موحى أوسعيد الويراري عبر محور وادي زم- قصبة تادلة ، وتحرك سكان إقليم أزيلال في مرحلة أولى في اتجاه بني مسكين قبل أن ينزلوا بثقلهم في المعارك التي كان سهل بني موسى ومنطقة الدير مسرحا لها.وقد اقتنعت القوات الاستعمارية بأن احتلال سهل تادلة لن يتأتى لها إلا إذا أخضعت لنفوذها سكان الجبال المجاورة فاتجهت مند البداية صوب إقليم أزيلال من واجهات متعددة:من مراكش إلى أنتيفة و دمنات، ومن العين الزرقاء إلى سيدي على بن إبراهيم، ومن بني ملال إلى دير جبال بني عياط و آيت بوزيد، ومن قصبة تادلة إلى القصيبة، فكانت المواجهات الأولى فوق تراب هذا الإقليم ومنها معركة فم الجمعة أنتيفة يوم 27 نونبر 1912 ومعارك سيدي علي بن إبراهيم أيام 27 و28 و 29 أبريل 1913. وفي سنة 1915 تم احتلال جزء من أنتيفة ومن ضمنها مركز تنانت تم الجهة الشرقية لدمنات

وخلال الفترة الممتدة من أواخر شهر أكتوبر إلى منتصف شهر دجنبر 1916 تمكنت الفرقة المتنقلة لمراكش بقيادة الجنرال دولاموط من إخضاع آيت تاكلا وممر المزاميز وخمسي آيت مصاض و آيت عتاب حيث التقت في أربعاء مولاي عيسى بن إدريس بفرقة الكولونيل أوبير القادمة من بني ملال مرورا بالكرازة وزاوية سيدي علي بن إبراهيم و ارفالة. وعلى إثر هذه الحملة تم إحداث مكتب أزيلال الذي أصبح مقرا للدائرة،وانطلاقا من هذا المركز الجدي حاولت قوات الاحتلال أن تبسط نفوذها على القبائل المجاورة ولاسيما منها المستوطنة شرق وشمال أزيلال،غير أنها وجدت مقاومة عنيفة من طرف سكان هذه القبائل بالرغم من الإمكانيات الكبيرة والمتطورة التي استخدمتها في مواجهتهم. وكانت من أعنفها المواجهات الأولى مع قبيلتي آيت بوكماز وآيتا محمد فوق أراضيهم خلال سنة 1918. ولم يقع احتلال بويحي في بلاد آيتا ممد ثم بعده مباشرة منطقة بين الويدان ومركز واويزغت بالرغم من قربها من مركز أزيلال إلا في أواخر سنة 1922 أي بعد ست سنوات من السيطرة على خميس آيت مصاض. ولكي تصل قوات الاحتلال من واويزغت إلى باقي تراب آيت عطا نومالو و آيت إصحا بالرغم من قرب المسافة فإن الأمر قد تطلب منها عشر سنوات أي من سنة  1922 إلى سنة1932، حيث عرفت هذه السنة الأخيرة معارك طاحنة في تلوكيت مثل معارك جبل إيصاف  و إزروالن، و لم تحكم سيطرتها على آخر معاقل وحصون هذه المناطق من بلاد آيت مصاض و آيت عطا نومالو و آيت سخمان الغربيين إلا في سنة 1933 وهكذا فإن احتلال منطقة أزيلال قد استغرق ما يزيد على 21 سنة أي من سنة 1912 إل سنة 1933 دون أن تتوقف المعارك طيلة هذه الفترة فوق المجال الترابي الذي يتكون منه اليوم إقليم أزيلال، وهي خصوصية من بين الخصوصيات البارزة لمقاومة سكان هذا الإقليم . ويتجلى مدى ثقل العبء على سكان إقليم أزيلال إذا لاحظنا بأن احتلال التراب المغربي بوجه عام أو ما كانت تسميه السلطات الاستعمارية بعمليات التهدئة قد دام حوالي 27 سنة أي مند سنة 1907 التي سجلت احتلال كل من مدينة الدار البيضاء و وجدة إلى سنة 1934 والتي كان فيها آخر من وضع السلاح هم سكان تزنيت و منطقة تافيلالت فكيف كانت هذه المواجهات وبأي ثمن وقع احتلال تراب هذا الإقليم بالنسبة للطرفين؟

لقد لجأت قوات الاحتلال في إطار العمليات التي قادها عبر مجموع التراب الوطني الذي يكون اليوم إقليم أزيلال خلال الفترة من سنة 1912 إلى سنة 1933 ، حتى تنفيذ أحدث الخطط والتكتيكات العسكرية التي ابتكرها خبراؤهم على ضوء استفادتها من تجربتها الطويلة في احتلال التراب الجزائري ذي الخصائص البشرية والمعطيات الطبيعية المماثلة. وكانت هذه القوات تشيد بتلك الخطط العسكرية التي رسم معالمها وخطوطها الكبرى المارشال ليوطي، وتنوه بالساهرين على تنفيذها في نقط مختلفة من تراب الإقليم من بين ضباطها أمثال الجنرال دولاموط والجنرال نزجيس والجنرال دوكان والجنرال بوايي دولا تور و الكولونيل مانجان والكولونيل أوبير وغيرهم. وقد سجل ذلك على سبيل المثال ضابط الصف جان لويس وهو يتحدث عن الجنرال دولاموط قائد ناحية مراكش الذي تولى في أواخر سنة 1916 قيادة الحملة التي انتهت باحتلال آيت تاكلا وخميس آيت مصاض، وفي سنة 1918 قيادة الحملة التي توجهت إلى بويحي حيث قال: “إن الفرقة التي قادها الجنرال دولاموط نونبر1916) عبر بلاد آيت عتاب قد تم تتبعها بفضول كبير من طرف جميع المهتمين في المغرب بالشؤون الإستراتيجية و الدبلوماسية وأن جرأة المفاهيم العسكرية لهذا الضابط وأصالة أساليبه في الإدارة قد رفعت هذه العملية العسكرية إلى مستوى نوع من التعليم.

كما استفادت هذه القوات في وضع تلك الخطط من التقارير التي أنجزها الجواسيس الأجانب الذين زاروا المنطقة في إطار التمهيد لاحتلال المغرب من أمثال الرحالة الإنكليزي هوكر في سنة 1871 والراهب الفرنسي شارل دوفوكو في سنة 1883 والإنجليزي جوزيف طومسون في سنة 1888 والفرنسي إدمون دوتي في سنة 1901 و الدانمركي دوسيكونزاك في سنة 1905، حيث ركزوا في هذه التقارير على إبراز الخصائص والموارد الطبيعية للمنطقة وفي مقدمتها المسالك التي يمكن عبورها، كما عرفوا بالإمكانيات البشرية والمادية التي يمكن لكل قبيلة أن تجندها في حالة المواجهة معها وفي مقدمتها عدد المشاة وعدد الخيول. ولم تخف قوات الاحتلال استفادتها من هذه التقارير حيث ردد جوستاف بابان على سبيل المثال ما قاله شارل دوفوكو عن واويزغت لأنه لم يدع أبدا أي شيء بدون رؤية أو تفكير ولم يكذب أبدا.

وفي إطار الخطة العامة التي رسمها المارشال ليوطي والرامية إلى الاستعانة بالقياد الكبار في احتلال المغرب، لجأت سلطات الاحتلال على مستوى منطقة أزيلال إلى سياسة إغراء السكان ماديا ومعنويا ولاسيما منهم القياد والأعيان بالمناصب و ببعض الامتيازات أو بعدم المساس بمصالحهم وتحريرهم من الكلفة المخزنية . وقد تجسدت هذه الإغراءات من بين ما تجسدت فيه في تعيين القواد من بين سكان القبائل على العموم يساعدهم شيوخ يعينون كذلك من بين أعيان كل قبيلة بالإضافة إلى تعيين أبرز الأعيان فيما يسمى بجماعات القبائل. و بهذه السياسة استطاعت سلطات الاحتلال أن تنفد سياستها في القبائل المحتلة وأن تستعين بهذه القبائل في إخضاع المناطق التي لم تنلها بعد أحكامها. وكأمثلة على ذلك أن هذه السلطات قد استعانت بالإضافة إلى حركات المدني الكلاوي والتهامي الكلاوي وعبد المالك الكلاوي بحركات كل من عبد الله أوشطو قائد أنتيفة الجبل وصالح أورغاد قائد أنتيفة السهل في احتلال ممر المزاميز وخميس آيت مصاض و آيت عتاب و آيت أكوديد و آيت أمحمد و آيت بوكماز. كما استعانت بحركة الباشا بوجمعة باشا بني ملال وبالحركات التابعة لقائد آيت عتاب محمد بن سيمو في احتلال واويزغت وما وراءها من بلاد آيا إصحا وغيرها من حركات القبائل الخاضعة كما يتضح من قائمة أسماء المساندين المغاربة الذين سقطوا في معارك التهدئة بنقط مختلفة من تراب منطقة أزيلال. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن خطة قوات الاحتلال في إطار تهدئة قبائل المنطقة كانت تعتمد على جعل القوات المساندة أو الإضافية والمتكونة من حركات القبائل في المقدمة للتقليص من عدد ضحاياها من الجنود النظاميين، وهذا ما اعترف به الجنرال كيوم حين قال:”لم نتردد في إلى اللجوء إلى القبائل البربرية غداة خضوعها مباشرة ، فكل وتبة إلى الأمام تكسب في صفوفها عناصر ممتازة،وفي نفس الوقت فإن رغبتنا المشروعة في الحد من الخسائر بين القوات النظامية تحثنا على أن نستخدم القوات الإضافية على نطاق أوسع”.

ولم تقتصر سياسة الإغراء هذه على أعيان القبائل وزعمائها بل شملت كذلك رجال الدين، وسنكتفي بأمثلة عنها على مستوى المنطقة ، ذلك أن قوات الاحتلال استطاعت أن تضم إلى صفوفها في وقت مبكر سيدي علي شيخ زاوية سيدي عبد الله بضاحية أزيلال، كما تمكنت من أن تخضع شيخ الزاوية الحنصالية سيدي أمحا بعد أن عانت من مقاومته الشديدة الأمرين خلال الفترة مابين 1916و 1922 بالخصوص بتعيينه قائدا على قبائل آيا أمحمد و آيت بوكماز و آيت بويكنيفن و آيت مزيغ و إيحنصال، فيما بين 1923 وسنة 1934. زمن مظاهر الاهتمام برجال الدين في المنطقة أيضا أنه بمجرد احتلال مركز آيت عتاب يوم 5 دجنبر 1916 سلم القبطان أرطليب حاكم الناحية العتابية إلى مولاي ناصر مقدم زاوية مولاي عيسى بن إدريس خطاب تكليفه بأمور هذه الزاوية المؤرخ في 8 دجنبر 1916 والحامل لطابع الجنرال قائد ناحية مراكش.

بالرغم من أن قوات الاحتلال كانت تعتبر عملها في المغرب “عملا حضاريا”، فإن ما كانت تقوم به في الواقع ليس سوى تجسيدا للمقولة القائلة :” الغاية تبرر الوسيلة” وهذا ما تؤكده بعض العمليات التي أدرجتها ضمن خطتها لاحتلال إقليم أزيلال والتي لاشك أن لها أمثلة كثيرة في باقي جهات البلاد ومنها إحراق ممتلكات المقاومين كما حدث في منطقة سيدي علي بن إبراهيم بقبيلة بني عياط حسب التقرير الذي نشرته سلطات الاحتلال عن الحالة السياسية والعسكرية بالمنطقة الفرنسية بالمغرب في منتصف شهر دجنبر 1915، وتدمير قصبة آيت أكوديد بضاحية أزيلال يوم 24 نونبر 1916، وتدمير المنازل واستخدام خشب تسقيفها في تدفئة قوات الاحتلال في منطقة بوصالح بآيت عتاب ليلة 02 دجنبر 1916، واستمرار القصف الجوي في سنة 1919 للدواوير والأسواق وقطعان الماشية في منطقة الأطلس المتوسط كما استولت قوات الاحتلال على 1.500 رأس من الغنم في منطقة قصبة تادلة كذلك، وعمدت في منطقة زيان إلى اختطاف النساء اللواتي لا يقع إرجاعهن إلى ذويهن إلا مقابل عدد من الأسلحة التي تم الاستيلاء عليها من طرف المقاومة.

غير أن أهم خصوصية طبعت الخطة العسكرية لاحتلال منطقة أزيلال تتمثل في غزو مختلف نقط هذه المنطقة من أكثر من واجهة خلافا لخطتها في احتلال الكثير من جهات البلاد،حيث يتم هذا الاحتلال عن طريق الهجوم على المدينة أو القبيلة من واجهة واحدة.والهدف المتوخى من وراء ذلك هو تشتيت جهود القبائل حتى يسهل على قوات الاحتلال إخضاعها، وتنطلق هذه القوات من الواجهتين بعد أن تكون القيادة العسكرية قد حددت مند البداية مكانا معينا تلتقي فيه. ففي سنة 1913 وقبل التوغل داخل الإقليم ، ضربت قوات الاحتلال موعدا لها في الجانب الغربي عند  جبال أنتيفة، حيث التقت يوم 19 ابريل 1913 الفرقة المتنقلة لتادلة بقيادة الكولونيل مانجان بالفرقة المتنقلة لمراكش بقيادة ليوطنان كولونيل سافي بدار القائد مبارك على وادي العبيد. وفي أواخر سنة 1916 ضربت قوات الجنرال دولاموط القادمة من مراكش والتي انطلقت من تنانت وقوات الكولونيل أوبير التي انطلقت من بني ملال موعدا لها في أربعاء مولاي عيسى بن إدريس بقلب آيت عتاب حيث التقت يوم 5 دجنبر 1916. وفي شتنبر 1922 التقت الفرقة المتنقلة لمراكش بقيادة الكولونيل نوجس بالفرقة المتنقلة لتادلة بقيادة الكولونيل فرايدنبرغ في منطقة واويزغت عند احتلالها. وفي شهر مايو 1932 وقع الاستيلاء على منطقة آيت إصحا من طرف القوات الآتية من مراكش ومن تادلة.

رد فعل المقاومة تجاه خطة المستعمر هو أنهم لم يتركوا المبادرة لقوات الاحتلال سواء وهو بعيد عن مواقعهم أو لدى اقترابه منهم أو داخل مجالهم الترابي. وهكذا فقد اجتمعت كلمتهم من أن وطأت أقدامه بلاد الشاوية وتوجهوا في حركات مهمة إلى بني مسكين لوقف زحف قواته، كما تصدوا له قبل أن يعبر نهر أم الربيع في مشرع سيدي صالح بأولاد أيلول وفي العين الزرقاء بأولاد عريف، وكانت مواجهتهم له أكثر عنفا في منطقة الدير ما بين بني ملال والكرازة، وازدادت ضراوتها فوق ترابهم. وكم من مرة باغتوه وهو يستعد للهجوم أو أثناء المواجهة، فكانت خطتهم في مجملها مبنية على السرعة في التحرك والمهارة في التنفيذ، وهذا ما سجلته تقارير العديد من الفرنسيين الذين شاركوا في هذه المواجهات أو تتبعوا مجرياتها. كما جاء في كتاب “البربر المغاربة وتهدئة الأطلس المركزي” للجنرال كيوم الذي قال وهو يتحدث عن مقاومي الأطلس المركزي بصفة عامة والحق ما شهدت به الأعداء :”إن خصمنا هو أحسن محارب في شمال إفريقيا، بطبعه شديد الكراهية للأجنبي، شجاع إلى حد المجازفة، يضحي بكل ما يملك، بعائلته وأيضا وبكل سهولة بحياته في سبيل الدفاع عن حريته، يجد في طبيعة بلاده أحسن حليف له، يعرف تمام المعرفة كل خبايا مسقط رأسه الذي لا يرضى بديلا عنه يعرف بالفطرة كيف يستفيد من أدنى ميزاته، نكون متفوقين عليه أحيانا من حيث العدد ودائما من حيث السلاح، ولكنه يعرف الآثار القاتلة لنيراننا ويحتاط لتعريض نفسه عبثا لخطرها، نادرا ما يوجد في وضعية تمدد على الأرض، يتميز بخفة قصوى وبحركية محيرة، في حين أننا نحن الذين تثقلنا تجهيزاتنا وأسلحتنا وذخيرتنا، وتعرقلنا قوافلنا الجرارة نمنح هدفا رائعا لنيرانه، العدو هنا موجود في كل مكان ولا وجود له في أي مكان، وفي غالب الأحيان مختف عن الأنظار. فقبل أن يكون لجنود المدفعية والمشاة ما يسمح من الوقت لتصميم مخطط النيران وتنصيب وسائل الاتصال يقع شن الهجوم من المنطقة التي يكون توقعنا منها أقل وبكيفية مباغتة. وفي بضع لحظات تحاط فصيلة الجنود الموجودة في الطليعة وتصبح في متناول الخناجر ، ويتم اكتساحها أو التصدي لها دون أن نتمكن من إبداء أية مقاومة، ويختفي المهاجم بسرعة بعد أن يكون أتى على الجرحى ونهب الأموال واستولى في كل مرة كغنيمة على الأسلحة والذخيرة. فإذا ما غامرت فرقة بأعداد غير كافية فإن الهجوم المكثف يكون عليها من جميع الواجهات من خصم يبحث دائما عن المواجهة جسما لجسم حيث لا يعوض تفوق أسلحتنا أبدا خفته وسرعته الفائقة”.

لم تكن كل قبيلة من قبائل المنطقة تعمل بمعزل عن جارتها،  بل إن الاتصال كان قائما باستمرار بين القبائل والتشاور حاصلا بين زعمائها من أجل وضع وتنفيذ خطط المواجهة.والأمثلة التي تؤكد ذلك كثيرة منها ما سجله العلامة محمد المختار السوسي من أن قبائل آيت عياط و آيت مصاض و آيت عتاب وغيرها اجتمعت حركاتها في المكان المسمى حميري في ناحية بني مسكين لمواجهة قوات الاحتلال النازلة في بلاد الشاوية، ومشاركة قبائل آيت عتاب و آيت بوزيد و بني عياط و آيت عطا نومالو في معركة يوم 26 أبريل1913 بالعين الزرقاء بأراضي بني موسى، والتحرك الجماعي لأتباع سيدي أمحا الحنصالي من قبائل آيا سخمان و آيت مصاض و آيت بوزيد و آيت عتاب و أنتيفة للزحف على دمنات عند احتلال ترابها ولمؤازرة الثائر ولعيد أوحساين ومن معه من آيت بوولي، ومواجهة الفرقة المتنقلة لمراكش يوم 29 اكتوبر1916 في منطقة الزمايز من طرف مجاهدي القبائل المجاورة وفي مقدمتها قبائل آيت مصاض و آيت عتاب و آيت بوزيد و أنتيفة و آيت مزيغ و آيت إصحا و آيت عطا نومالو وعل رأس مجاهديها شيخ الزاوية الحنصالية سيدي أمحا وغيرها من المعارك التي عرفتها المنطقة والتي لا يستثنى من المشاركة فيها ضمن صفوف المجاهدين إلا القبائل الخاضعة التي يمنع عليها منعا كليا أي اتصال بالقبائل غير الخاضعة والتي تسميها سلطات الاحتلال بالقبائل المنشقة، ويؤكد هذا المنع على سبيل المثال الشرط الذي فرضه الجنرال دولاموط على ممثلي آيت عتاب خلال المفاوضات التي أجراها معهم يوم 7 دجنبر 1916 أزيلال أي مباشرة بعد احتلال ترابهم أكثر من ذلك فإن زعماء قبائل منطقة أزيلال كانوا خلال هذه المرحلة يتشاورون حتى مع زعماء القبائل المجاورة لتوحيد خطتهم والاتفاق فيما بينهم على ما تمليه المصلحة. وفي هذا الإطار يدخل الاجتماع الهام كما وصفته سلطات الاحتلال والذي عقده ممثلو جميع قبائل الناحية الجبلية لقصبة بني ملال في ربيع سنة 1915 بمناسبة إقامة موسم الوالي الصالح مولاي عيسى بن إدريس بآيت عتاب لمناقشة مسألة الهجوم على مراكز تلك السلطات خارج مواقعهم. وقد ثبت تشاور مجاهدي هذه المنطقة حتى مع بعض المناطق النائية كما تؤكد ذلك الرسالة الجوية التي بعث بها محمد بن عبد الكريم الخطابي زعيم ثورة الريف إلى سيدي احساين مقدم زاوية أحنصال التي أبلت البلاء الحسن في مقاومة الاحتلال الفرنسي بمناطق الأطلس الكبير الأوسط. ويذهب البعض إلى أن هذه المنطقة كانت ملتقى لأتباع علي امهاوش والهيبة ماء العينين و موحى أوحمو الزياني ومبعوثي الريسوني لتبادل قسم الوفاء والأوامر الصادرة عن قيادتهم العليا . ونتيجة لذلك فقد أفشل مقاومو منطقة أزيلال الكثير من مخططات المستعمر وكبدوه خسائر جسيمة في الأرواح والعتاد . وأكبر دليل على ذلك بالرغم من الفارق الكبير في العدد والعدة، أن احتلال التراب الحالي لإقليم أزيلال قد تطلب مدة تزيد عن 21 سنة . هذه الخاصية التي يمتاز بها سكان هذه المنطقة وغيرهم من سكان الجبال المغربية.

بينت التجربة التاريخية المغربية أن كل الغارات الآتية من الخارج والهادفة إلى الاحتلال وجدت تسهيلات كثيرة في المناطق المنخفضة بينما عانت كل المصائب في الأراضي الجبلية التي شرفها التاريخ بأن تكون مراكز نشيطة وفعالة في ممارسة المقاومة الوطنية المسلحة طوال ثلث قرن ضدا على الهجمة الاستعمارية الشرسة بفضل تضاريسها.

لتكوين فكرة شمولية عن الوسائل و الإمكانيات التي تمت تعبئتها لاحتلال قبيلة آيت عتاب في شهر دجنبر 1916 و مركز واويزغت في شهر شتنبر 1922، وكلاهما تم احتلالهما من لدن الفرقة المتنقلة لتادلة القادمة من بني ملال والفرقة المتنقلة لمراكش القادمة من خميس آيت مصاض.

الفرقة المتنقلة لمراكش التي احتلت قبيلة آيت عتاب من الناحية الشرقية بقيادة الجنرال دولاموط قائد ناحية مراكش، كانت تتكون من 1341 جنديا فرنسيا و 1181 جزائري وسنغالي و1972 جنديا مغربيا ونظاميا بالإضافة إلى من سماهم ب” أبناء البلد” وعددهم 7.000 جندي بقيادة المدني الكلاوي وقائد أنتيفة عبد الله أوشطو وصالح أوراغ. و يصل ما تتوفر عليه هذه الفرقة من حيوانات إلى 2.300 من البغال والخيول. وكانت القيادة العليا لهذه الفرقة التي يرأسها الجنرال دولاموط تضم ضباطا كبارا أمثال القبطان شاردون والقبطان رافيي والقبطان دوميليير و ليوطنان بواسون دوشازون و ليوطنان كوادي والترجمان الكسكري كولياك. ويوجد على رأس وحدتها الكومندار بولي، والكومندار بييت ، والكومندار مانيو، والكومندار بلانشي، والكومندار بويسان، والقبطان كاب دوفيل، والقبطان بورو، والقبطان مونطاني، والقبطان دولوستال، والقبطان برفادو فريسنيل، والقبطان لوات، والقبطان بوشي، والقبطان فوجرون، والقبطان ريشير، والقبطان شاسور، والقبطان رروجير، والقبطان دوفنتر، والقبطان دونطار، والقبطان ماسوس، والقبطان سيموني، والقبطان جييت، والطبيب الرئيسي رابافوي. ومن بين هؤلاء الضباط من عهد له بالإشراف على حركات القبائل المساندة أمثال القبطان شاردون. ونفس الشيء يقال عن الفرقة المتنقلة لتادلة التي احتلت آيت عتاب من الناحية الشمالية الغربية برئاسة الكولونيل أوبير،وكان يقود عملياتها ضباط كبار أمثال بوايي دولاتور الذي أصبح فيما بعد جنرالا فمقيما عاما. وقد كانت هذه الفرقة تضم 3.500 رجل و4 كتائب وسريتان اثنتان و3 بطاريات، وتساندها فرقة الكوم بدار ولد زيدوح وحركة بني موسى المساندة وغيرها.

أما الإمكانيات البشرية والمادية التي جندتها قوات الاحتلال لغزو مركز واويزغت من واجهتي بني ملال و أزيلال فقد حصرها “جوستاف بابان” في نحو 25.000 رجل منهم 10.648 من القوات النظامية و13.000 مساند حسب المذكرة التي زودته بها القيادة العليا للجنرال دوكان. وفي تفصيله لهذه الإمكانيات أوضح جوستاف بابان أن الوحدة المتنقلة لمراكش تتكون من123 ضابطا و4.714 رجلا (3.042 من المشاة و321 فارسا و 465 من سلاح المدفعية) و 11.000 مساندا أهليا و723 جوادا و 1.823 بغلا. وتوج رهن إشارتها ستة طائرات بالإضافة إلى وحدتين صحيتين. ويتكون المساندون الذين وضعوا تحت أوامر القبطان شاردون من خمس حركات،على الشمال حركة آيت عتاب (100 فارس و1.000 من المشاة) وعلى اليمين حركة عبد الله أوشطو قائد أنتيفة (100 فارس و500 من المشاة) وفي الوسط فرقة أخرى من آيت عتاب(500 من المشاة و50 من الفرسان)وحركة آيت أوتفركل (50 فارسا و 200 من المشاة) وفي الخلف حركة صالح أوراغ خليفة أوشطو ، في حين أن الفرقة المتنقلة لتادلة تتكون من 133ضابطا و 5.678 رجلا منهم 3.397 من المشاة و 473 فارسا و1.042 من سلاح المدفعية و 2.000 مساند و784 جوادا و 2.448 بغلا ومساندوها من سهل تادلة بقيادة الباشا بوجمعة الذي التحق به التهامي الكلاوي . وقد وضعت كل هذه القوات تحت أوامر فريق للعمليات والفرقة المتنقلة لمراكش والفرقة المتنقلة لتادلة. ويتكون فريق العمليات من الجنرال دوكان قائد هذه العمليات ورئيس الكتيبة جيرو كقائد للأركان، ورئيس الكتيبة أرطليب رئيس مصلحة المخابرات ، والقبطان بوسكاط المكلف بالربط مع الطيران.

 





كان سكان منطقة أزيلال خلال مواجهتهم لقوات الاحتلال فوق ترابهم يتلقون الدعم من جيرانهم في المناطق الجبلية غير الخاضعين ولا سيما من قبائل آيت يسري و آيت سخمان الشرقيين و آيت عطا بالصحراء لأن سكان السهل أصبحوا قبل أن تنتقل المعارك إلى جبال أزيلال خاضعين لقوات الاحتلال. إلا أنه يلاحظ أن بعض سكان القبائل الخاضعة ممن لم يرضوا بالمستعمر قد فروا إلى تلك الجبال و واصلوا كفاحهم المسلح إلى جانب إخوانهم الصامدين في وجه قوات الاحتلال. وينطبق هذا الأمر على سكان سهل تادلة ، كما ينطبق على سكان قبائل أزيلال نفسها، ومن الأمثلة على ذلك أن بوزكري بن خلوق من قبيلة آيت الربع قد فر إلى جبال أزيلال و واصل مقاومته لقوات الاحتلال. وعلى مستوى منطقة أزيلال احتفظت إحدى الروايات الشفوية على سبيل المثال باعتصام عدد من سكان قبيلة أنتيفة عندما غلبوا على أمرهم في مواطنهم لدى القبائل المجاورة لهم مثل تاغرارت بالعثامنة و آيت تاكلا و أزيلال و آيت عتاب، كما ذكرت إحدى المصادر أن جميع سكان مركز واويزغت قد فروا منه لدى احتلاله في شهر شتنبر 1922 إلى ما وراءه من بلاد آيت عطا نومالو و آيت مصاض و آيت سخمان. ولم تجد قوات الاحتلال عند دخولها إلى هذا المركز سوى شخصين اثنين أحدهما هو القائد محمد يمثل المسلمين والثاني هو مخلوف مالكا الذي يمثل اليهود. ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى فرار بعض الجنود النظاميين من صفوف قوات الاحتلال إلى المنطقة ، وهذا ما أكده الجنرال دولاموط خلال مفاوضاته يوم 7 دجنبر 1916 أزيلال مع ممثلي سكان قبيلة آيت عتاب حيث طلب منهم تسليم أحد الجنود الفارين إلى آيت عتاب دون أن يعترفوا له بوجوده بينهم.

أما عن الوسائل المادية فإنها تبقى محدودة، ولا تخرج معظمها عن الأسلحة التقليدية مثل الخناجر و بوحبة و بوشفر و بوحفرة و الثلثية والخماسية و التساعية وغيرها من الأسلحة ذات الصنع المحلي أو التي يتم الحصول عليها من مصادر مختلفة، ومن بين هذه المصادر شراء الأسلحة الرائجة في السوق أو الممكن جلبها مند سنة 1916، إلا أن الثروة التي كانت تتوفر عليها قبيلة آيت عتاب مثلا تسمح لسكانها “بامتلاك الأسلحة الأكثر تطورا والذخيرة الضرورية ”، بالإضافة إلى ما يغنمه هؤلاء السكان من أسلحة وذخيرة من قوات الاحتلال خلال مواجهتهم معها سواء فوق تراب المنطقة أو خارجها. ومما يدل على أهمية الأسلحة التي تأتي عن طريق هذه القناة أن الجنرال دولاموط خلال مفاوضاته مع ممثلي سكان آيت عتاب طرح في مقدمة شروطه إرجاع البنادق من نوع 86 والتي سلبت من قوات الاحتلال، كما لاحظ القبطان كورني بأن إحدى النساء المجاهدات التي استشهدت في معارك سيدي علي بن إبراهيم بقبيلة بني عياط أيام 27-28-29 أبريل 1913،وجدت مزودة مليئة بالرصاص يدل الرقم المثبت عليه أنها سلبته من جندي سنغالي قتل في سنة 1910 في تادلة خلال الحملة التي قادها الكولونيل أوبير.
وبهذه الإمكانيات البشرية والمادية استطاع مجاهدو منطقة أزيلال الصمود في وجه قوات الاحتلال و ساعدهم في ذلك وبنصيب مهم طبيعة أراضيهم التي عرفوا كيف يستغلونها إلى أقصى الحدود.

استطاع الاحتلال أن يبسط نفوذه في آخر المطاف على هذه المنطقة لعدة أسباب:

مشاركة سكان قبائل أزيلال في المعارك التي دارت خارج مجال ترابهم مند سنة 1908 وداخل هذا المجال خلال الفترة من سنة 1912 إلى 1933 حيث تعددت أمامهم الجبهات وتدخل السلاح الجوي بشكل مكثف إلى جانب السلاح الأرضي مما ساهم تدريجيا في إنهاك قواهم وإضعافها.

إمكانياتهم المادية المحدودة التي تقابلها إمكانيات بشرية ومادية متطورة وتتجدد باستمرار.

 بموازاة غزوها المسلح لجأت سلطات الاحتلال إلى سياسة إغراء العديد من أعيان قبائل المنطقة وذوي السلطة فيها ورجال الدين ذوي النفوذ الروحي على سكانها، وبذلك استطاعت أن تضم إلى صفوفها مقاومين كبار، وقبل ذلك أن تتقي شرهم بعد أن ذاقت منهم الأمرين، واستطاعت من خلالهم وبمساعدتهم أن تبسط نفوذها على مجموعة من القبائل آو أجزاء منها بأقل كلفة ممكنة . كما كانت أكثر تشددا في قطع الاتصال بين القبائل الخاضعة والقبائل غير الخاضعة لتفادي أي شكل من أشكال التعاون بل وحتى التفكير في هذا المجال.

وإلى جانب جيشها النظامي والذي توجد ضمنه عناصر من القبائل الحديثة العهد بالخضوع فقد استعانت قوات الاحتلال في غزوها للمنطقة بمن كانت تسميهم بالقوات الإضافية أو المساندة والتي تتكون في معظمها من أبناء هذه المنطقة، وعددهم 7.000 مساند ضمن الحملة التي احتلت خميس آيت مصاض و آيت عتاب في سنة 1916. و13.000مساند في الحملة التي احتلت مركز واويزغت في سنة 1922.ولذلك فإن الحسم في احتلال هذه المنطقة لم يكن للقوات النظامية الفرنسية وإنما كان يرجع بالأساس إلى ضرب المغاربة بإخوانهم المغاربة.

 



شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا