أضيف في 23 دجنبر 2016 الساعة 18:17

العمل الجمعوي بالمغرب - تاريخ ومسار


عزيز عموري



عزيز عموري


ليس العمل الجمعوي إفراز غريب عن المجتمع المغربي، إذ الواقع أن كل مجتمع يفرز مؤسساته الوسيطية، تقوم بمهمة تأطير الأفراد والجماعات، وذلك بحسب التطور التاريخي والذهني الخاص بكل مجتمع.

وقد عرف المغرب، بدوره، بروز مجموعة من التنظيمات في مختلف مراحل تاريخه. إلا أن العمل الجمعوي بصيغته المعروفة حديثا، كان وليدا لعملية اصطدام البنيات التقليدية المغربية مع مؤسسات نظام الحماية الفرنسي، التي عملت ما في وسعها لمسخ الهوية المغربية وجعلها منسلخة عن جذورها، الضاربة أعماقها في تاريخ المغرب.

وبالعودة إلى معطيات المرحلة، اقترنت نشأة العمل الجمعوي بالمغرب، ببداية القرن العشرين – بالطبع ليست بداية قطعية –مستفيدا من النصوص القانونية ذات الصلة التي شرعها المستعمر الفرنسي، إدراكا منه لأهمية العمل الثقافي الجمعوي في ممارسة الإخضاع والسيطرة والنفاذ إلى وجدان المغاربة، وذلك ما عبر عنه بوضوح أحد جهابذة إدارة الحماية، جورج هاردي،قائلا: " يجب إخضاع النفوس قبل الأبدان".

مقابل هذا الاهتمام الفرنسي، اتخذ المغاربة من العمل الثقافي واجهة للنضال ضد الاستلاب الثقافي الذي أريد له أن يسود في المجتمع المغربي، حيث استلهموا التجربة الشرقية الوافدة على البلاد من مصر، فكان ذلك إيذانا بانطلاق شرارة الصراع الثقافي مع المحتل.

وبالنظر لندرةالدراسات المتخصصة في الموضوع – على حد علمنا -وضعف الجانب التوثيقي في عملية التأريخ للممارسة الجمعوية ببلادنا، فإن المساهمة المطروحة لا تعدو أن تكون إلا وسيلة لإثارة نقاش واسع بين كافة الممارسين الجمعويين، فضلا عن كونها محاولة لسد فراغ من الضروري ملئه من طرف الباحثين والممارسين الجمعويين.

جذور الفعل الثقافي والجمعوي بالمغرب

منذ عهودطويلة قبل مجيء الأجانب،كانت المؤسسات التقليدية المغربية المتمثلة في الزوايا والطرق الصوفية والمساجد، إضافة إلى التنظيمات القبلية والعشائرية تتكلفبمهمة تأطير المجتمع، والاهتمام بحاجيات أفراده، وكانت هذه التنظيمات قريبة من حياة المغاربة، يعتمدون عليها بشكل كبير في مختلف مجالات حياتهم. يقول محمد عابد الجابري بهذا الخصوص: " أن المجتمع المغربي إلى حدود الثلاثينيات من القرن الماضي ، كانت تؤطره القبيلة والزاوية، لقد كان هناك إطاران اجتماعيان وحيدان ينظمان أفراد المجتمع المغربي، هما القبيلة والطرق الصوفية أو الزاوية ." 

ومن المفيد الإشارة إلى اعتماد"مؤسسات الوساطة" التي كانت قائمة آنذاك في تأطيرها، على الحلقات الدينية المقامة احتفالا بالأولياء، أو من خلال الاحتفالات الموسمية ذات الصلة بالفلاحة كالربيع والحصاد، والتي كانت تقام خارج أسوار المدن أو داخلها، حيث تستغل مثل هاته المناسبات للتداول في مختلف القضايا التي تهم المجتمع ومكوناته.

ومع بداية عشرينيات القرن الماضي بدأت هاته التنظيمات تتوارى إلى الخلف، وبدأ نفوذها في الأفول، واضمحلت قدرتها على تلبية احتياجات المغاربة المستجدة مع بروز الظاهرة الاستعمارية، وعوضت بمؤسسات تأطيرية أخرى، تشكلت من جمعيات ذات صبغة عمومية، كانت تهدف   بهذا القدر أو ذاك إلى خلق شروط ممارسة جمعوية ثقافية وطنية وإن اتخذت طابعا دينيا في الغالب الأعم، كخطوة أولى في مواجهة الأجنبي والتصدي لمخططاته في اختراق المجتمع المغربي بكافة أطيافه وفئاته.

التشريعات والقوانين المؤطرة لممارسة الفعل الجمعوي بالمغرب على عهد الحماية

تعود أولى الإجراءات القانونية لتأسيس الجمعيات بالمغرب، إلى تاريخ 24 ماي 1914، حيث صدر أول ظهير في مجال " ضبط وتنظيم تأسيس الجمعيات" . وكان هذا الظهير كان استنساخا للقانون الفرنسي الصادر سنة 1901 الخاص بالجمعيات الفرنسية، حيث قامت إدارة الحماية بإعادة تكييفه مع واقع المجتمع المغربي، وما أفرزه من تحديات جديدة على كاهل المستعمر، ومما ورد فيه أنه لا يمكن تأسيس جمعية إلا بإذن من المقيم العام الفرنسي، وذلك بتقديم طلبات التأسيس إلى السلطات البلدية والرقابة المدنية.

إلا أنه ورغم وجود هذا الإطار القانوني لتأسيس الجمعيات، فقد ظلت هاته الأخيرة تعاني الأمرين من طابعه الزجري، حيث وقف سدا منيعاأمام تأسيس إطارات جمعوية مغربية بخلفية وطنية، ذلك أن إدارة الحماية كانت كثيرا ما كانت تتلكأ في منح تراخيص التأسيس لمغاربة تشك في ولائهم، مقابل ذلك كانت لا ترى مانعا في تشجيع الجمعيات التي تخدم غاياتها، أو على الأقل لا تشكل تهديدا لوجودها. والجمعيات الوحيدة التي سمح للمغاربة بتأسيسها مؤقتا، هي جمعيات قدماء تلاميذ المؤسسات الثانوية في المراكز الحضرية، أو بعض مدارس الأعيان، لكن هي الأخرى كانت مشروطة بعدم القيام بأي نشاط سياسي.

وكان على الوطنيين انتظار لحظة انتصار تكتل اليسار الفرنسي سنة 1924 في الانتخابات الفرنسية، حيث شكلت هامشا انعكس إيجابا على تطور الحركة الجمعوية بالمغرب،وتبلور ذلك في ظهير صدر في شهر ماي من سنة 1925.

وإلى غاية يونيو 1933، كان تأسيس الجمعيات ذات الطابع السياسي أمرا ممنوعا ومعاقب عليه، ذلك أن الظهير الصادر في نفس السنة الخاص بتكوين/تأسيس الجمعيات لم يأت بشيء جديد في هذا المضمار، اللهم إلزام الجمعيات بإعادة الإجراءات التي نص عليها ظهير1914.

وبالنظر للرقابة الصارمة السائدة آنذاك، كثرت قرارات المنع والحل في حق العديد من الجمعيات الثقافية (جمعية الحركة الكشفية المغربية، جمعية قدماء تلاميذ المدرسة الإسلامية،جمعية الهلال.) لا لشيء سوى أنها ساهمت بقوة في إذكاء حماس المغاربة، وتعرية واقع الاستعمار، والتي وصلت ذروتها في إصدار أحكام بالإعدام في حق مسيري بعض الفرق الرياضية، اعتبارا لدورها في الاتصال بالمواطنين ونشر مواقف الحركة الوطنية.

ومن البداهة بمكان، الإشارة إلى أن فعل المواجهة في الممارسة الجمعوية شكل خيارا تاريخيا لدى الحركة الوطنية، خصوصا وأن كل مجالات العمل كانت تتعرض لاختراقات استعمارية، بهدف إلى تشويه دورها في التشهير بروادها من الوطنيين، مثلما كانت تروم طمس هويتها المغربية.

الممارسة الجمعوية، أشكال وأنواع

من بين إفرازات نظام الحماية، ما تعرضت له الهوية المغربية من طمس وتمييع، عن طريق توظيف مختلف الإمكانات المتاحة لدى المستعمر، أمنيا وتشريعيا وقانونيا. أمام هذا الوضع لم يكن أمام النخب الشبابية المغربية سوء التصدي لخطورة هذا الفعل الإقصائي لهوية ضاربة أطنابها في أعماق تاريخ المغرب، والوسيلة المثلى للمجابهة تمثلت في تأسيس عدة تنظيمات جمعوية حديثة اطلع المغاربة على أهميتها وجدوائيتها في تأطير مختلف فئات المجتمع، التي كانت كثير من اهتماماتها مغيبة من دائرة الاهتمام الفرنسي.

داخل هذا السياق تأسست بعض الجمعيات والأجواق والفرق الموسيقية بمجموعة من المدن المغربية، منذ عشرينيات القرن الماضي، ويمكن في هذا المضمار الإشارة إلى التعبيرات الجمعوية التالية في منطقة الحماية الفرنسية والمنطقة الخليفية:

  • جمعية قدماء تلاميذ المدرسة الثانوية الإسلامية الفاسية، سنة 1921؛
  • جمعية الهلال بطنجة، من تأسيس أحمد ياسين، سنة 1923؛
  • جمعية مدرسة العاصمة الرباطية، من تأسيس محمد اليزيدي، سنة 1923؛
  • جوق التمثيل الفاسي، من تأسيس جماعة من الطلبة، سنة 1924،
  • فرقة مسرحية بمراكش، من تأسيس مصطفى الجزار، سنة 1927؛
  • فرقة التمثيل بمدينة سلا، سنة 1930؛
  • الكشفية الحسنية، سنة 1933؛
  • جمعية تلاميذ أبناء الأعيان بالدار البيضاء، سنة 1936؛
  • شباب طنجة (وهو الإسم الجديد لجمعية الهلال التي حلت بقرار من إدارة المستعمر) سنة 1938؛
  • الكشفية المغربية الإسلامية بفاس، سنة 1947؛
  • مجموعة من الجمعيات المهنية والخيرية.

 

وعلى غرار هذه التنظيمات، تأسست بعض الفرق الموسيقيةوالشعبية، ممثلة في أجواق الملحون، والطقطوقة الجبلية،وأحواش، وأحيدوس وغيرها، والتي مثلت، حسبما سمح به شرطها التاريخي آنذاك، تصديا لتوجه الاستعمار القاضي بتهميش الفنون الشعبية ومسخ الكيان الثقافي التراثي المغربي، في تعارض تام مع ما كانت تصرح به المصالح الإدارية الأجنبية.

أمام هذه الفورة والدينامية التي عرفها المجتمع المغربي، سارعت إدارة الحماية إلى العمل على احتواء مطالب الشبيبة المغربية، التي رأت فيها تهديدا لأسس المشروع الاستعماري ذاته، لذلك سعت إلى تجنيد كل إمكانياتها التشريعية والأمنية لتجويفها وإفراغها من مضمونها.

ورغم وجود هذه الرقابة الإدارية، فإن ذلك لم يمنع شباب الحركة الوطنية من إبداع أشكال جمعوية متعددة الواجهات، الرياضية والفنية والتربوية في ظاهرها، لكن في باطنها شكلت خلايا مقاومة محصنة للهوية المغربية، للمساهمة بشكل او بآخر في بناء وطن حديث منفلت من كافة أسباب انهياره سنة 1912، تاريخ فرض المعاهدة المشؤومة على المغرب الأقصى.

 

بعض خلاصات فعل تأسيس الجمعيات

أهم خلاصة يمكن استنباطها من وراء هذا السرد لتاريخ الممارسة الجمعوية بالمغرب، تتعلق بافتقاد الجمعيات التي تم تأسيسها إبان فترة الحماية لبرامج عمل واضحة،كما اتسمت بالانكفاء على الذات، على اعتبار محدودية الانخراط في صفوفها التي ضمت فقط بضع نخب شابة متعلمة، ولم تنفذ إلى أعماق المجتمع لاحتضان باقي فئاته، والتي من شأنها – لو تم الأمر-تعزيز حضورها وقوتها في خوض الصراع الوطني ضد المستعمر.

محدودية الممارسة الجمعوية وعزلتها، كانت حافزا للنخبة المثقفة المغربية آنئد، للبحث عن سبل بلورة عمل جمعوي قوي، منفتح على أوسع الفئات الاجتماعية، وقادر على ربح رهان المواجهة، وهو ما انعكس إيجابا على وضعية التنظيمات الجمعوية المؤسسة، التي حققت تطورا نسبيا، وتوسعت قاعدتها البشرية، وامتداداتها الجغرافية، وشكلت ملاذا آمنا للحركة الوطنية في تعبئة المغاربة وتحسيسهم بخطورة الظاهرة الاستعمارية، وتهيئتهم لمواجهة مخططات إدارة الحماية، الرامية إلى تأبيد الاستغلال والسيطرة على مقدرات البلاد.

وقد جوبه هذا التطور بحملات قمع كبيرة، تجسدت في اعتقال الجمعويين المغاربة، والتضييق على العديد من الجمعيات، خاصة تلك التي تتخذ من الفنون أساسا لنشاطها، في مرحلة وظف فيها الفن المسرحي بشكل كبير، في شحذ الهمم، وبناء الذاكرة الجمعية للمغاربة، التي كانت تتعرض للتشويه والطمس من طرف المستعمر.

على سبيل الختم

أ‌-       بحلول أواسط الخمسينات، سيشهد العمل الجمعوية، توسعا كميا وكيفيا،تمظهر في تنامي أعداد الجمعيات، وإن بتلاوين مختلفة واهتمامات متباينة، سياسية كمنظمة الشبيبة الاستقلالية، ونقابية كالاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وتربوية كالجمعية المغربية لتربية الشبيبة AMEJ وحركة الطفولة الشعبية.

ب‌- تعزيز هذا التطور بصدور قانون منظم للجمعيات ذات الصبغة العمومية،وهو ظهير 1958 (للإشارة فقد عدل بتاريخ 10 أبريل 1973، إلا أنه شكل تراجعا خطيرا مس روح ومنطوق ظهير 1958 على علاته وسلبياته).

ت‌-  لم يكن سياق تطور العمل الجمعوي، أرضية مفرشة بالورود، بل كان مسارا شاقا وعسيرا، إذ أنه في كل محطة من محطات تطوره، كانت تطرح الأسئلة، التي تحاول تلمس الأخطاء وفهم الأسباب وطرح البدائل.

فهل توفق العمل الجمعوي في مهماته؟ وهل تبوء مكانته في صيرورة تطور المجتمع المغربي؟

وحدها الدراسات والأبحاث قمينة بتقديم إجابات شافية حول هذه الأسئلة، والعرض لا يعدو أن يكون أرضية لذلك.

 

 

إحالات مرجعية:

 

  • مؤلف جماعي: ندوة العمل الجمعوي بالمغرب: التاريخ والهوية، منشورات الجمعية المغربية لتربية الشبيبة، الرباط 2004
  • حسن أميلي: لاميج ملحمة النضال والأمل، 50 سنة في خدمة الطفولة والشباب، منشورات الجمعية المغربية لتربية الشبيبة، ماي 2006
  • محمد عابد الجابري: المغرب المعاصر، الخصوصية والهوية والحداثة والتنمية، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، الدار البيضاء
  • أحمد تافسكا، تطور الحركة العمالية في المغرب، 1919-1939، بيروت، دار ابن خلدون، 1980.
  • البير عياش، الحركة النقابية بالمغرب، 1919-1942، ترجمة عبد الله سعودي
  • مجلة المقدمة، السنة الأولى، يونيو 1982، العدد الأول
  • الجريدة الرسمية من 1914 إلى 1958
  • جريدة النشرة، عدد 25 فبراير 1996

 



شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا