أضيف في 23 دجنبر 2016 الساعة 04:53

نظرة في إشكالية المعرفة التاريخية


حسام هاب


حسام هاب

تتطلب الكتابة التاريخية توافر المادة التاريخية و الالتزام بمنهج البحث التاريخي ، كما تتحدد نوعية مواضيعها و قيمة مضمونها العلمي انطلاقا من الإشكالية التي تطرحها و مستوى مؤهلات الباحث الذي يتعامل معها . لذا فإن إعادة تصور الماضي كما وقع عملية متعذرة لطبيعة المعرفة التاريخية التي تتحكم فيها مواصفات الحادثة التاريخية التي ننشدها و نسبية الحقيقة التي نبحث عنها و مستوى الموضوعية التي نحاول الالتزام بها و جدلية الحركة التاريخية التي نحاول تلمسها و التعبير عنها .
تتميز الحادثة التاريخية بكونها فعلا منفردا لا يقبل المعاينة من طرف الباحث ، فهي ظاهرة فردية تحدث مرة واحدة في زمانها و مكانها و ظروفها ، لا تتكرر و لا تعيد نفسها و لا تخضع للتجربة أو الملاحظة المباشرة . فكل ما نعرفه عنها هو مصدر غير مباشر و غير كامل نستخلصه من بقايا آثار مادية أو سجلات مكتوبة أو روايات شفوية ، غالبا ما تكون عرضة للتلف أو الضياع أو التزوير ، بحيث يتعذر معها تطبيق القياس أو التعداد أو التعميم ، فكل ما نملكه إزاءها هو الملاحظة غير المباشرة ، و لم يتعد مستوى التعميمات و الفرضيات خاصة فيما يتعلق بملء الفجوات و استكمال الجوانب الناقصة في معرفتنا التاريخية .

إن تحديد مواصفات الحادثة التاريخية شيئا متعذرا لطبيعة الحادثة نفسها ، لهذا يتوجب علينا في تحديدنا للنص التاريخي أن نأخذ بعين الاعتبار أبعاد الحركة التاريخية حتى لا تتحول معالجتنا للنص التاريخي إلى عرض قصصي لا يأخذ في الاعتبار تفاعل الانسان مع بيئته و استجابته لحاجاته و تجاوبه مع متطلبات عصره ، و حتى نبعد أيضا عن التاريخ صفة الثبات و الجمود التي تجعل من الأحداث التاريخية مجرد منظر لصورة ساكنة أو مشهد جامد . فالفعل الإنساني بصفته نبضا حيا لسلوك الأفراد و حياة الشعوب في تفاعلهم مع كل ما حولهم من مظاهر و ما يجد من ظروف محيطة ، يتحقق من خلال جدلية الحادثة التاريخية التي هي حصيلة تفاعل ثلاثة عناصر هي:

الإنسان : صانع الحدث و المؤثر فيه بسلوكه و مواقفه سواء كانت بدائية أو متطورة ، سلبية أم إيجابية .
البيئة      : و هي الأرضية التي يتحقق عليها الفعل التاريخي و يتأثر بشروطها و مواصفاتها .
الزمان    : و هو الحيز الذي تتحقق فيه الحركية التاريخية و تخضع أثناءه للتغيير و التحول . و هذا ما جعل التاريخ في أساسه علما متزامنا إن لم يكن هو الزمن في حد ذاته كما هو الحال عند كتاب الحوليات التاريخية .

 نسبية الحقيقة التاريخية :

تتحكم في الحقيقة التاريخية طبيعة الحادثة التاريخية التي لا تكرر نفسها و لا يمكن التعرف عليها إلا من خلال ما يصلنا من بقايا مادية أو تسجيلات مكتوبة أو روايات شفوية ، و هي على الرغم مما تتصف به من أصالة و معاصرة للأحداث ، و مع إخضاعها للنقد و التمحيص ، تظل في نظرنا عاجزة عن تصوير الحقيقة التاريخية بجميع جوانبها و أبعادها و دلالاتها ، و هذا ما يجعل الحقيقة التاريخية الكاملة الشاملة متعذرة تعذر إعادة الحياة للأحداث التي وقعت في الماضي ، و تصبح معه الإحاطة بجميع أبعاد المعرفة التاريخية و التعرف على مختلف أسبابها و ظروفها و مظاهرها و جزئياتها شيئا جزئيا و أمرا نسبيا .
فعلى الرغم من سعي المنهج التاريخي لتلمس دقائق الحادثة التاريخية ، إلا أن هناك فرقا بين الأعمال و المنجزات التي وقعت في الماضي و بين رواية تلك الأعمال و المنجزات ، و هذا ما يجعل الحادثة التاريخية و من خلال أحداث الماضي لا توجد إلا من خلال الشكل الذي تصور به ، أي في الصورة التي أعاد تشكيلها المؤرخ لأحداث التاريخ ، و هذا ما يتوجب معه الإقرار بأن كل ما كتب أو يكتب عن أحداث الماضي هو ليس ما وقع بالفعل و إنما هو ما تصوره المؤرخ من خلال ذاته و ظروف زمانه و شروط مكانه ، و بذلك تظل الحقيقة التاريخية أمرا مستحيل التحقيق ، و مقاربتنا للماضي نسبية تتحكم فيها المصادر المتوافرة و المنهج المعتمد في معالجتها . إن قصارى جهدنا في مقاربتنا للحقيقة التاريخية هو محاولة الاقتراب منها بالبحث عن المزيد من مصادرها و مظانها و إخضاع مادتها لمنهج البحث التاريخي القائم على النقد و التمحيص مع الحرص على تحري جوانب الصحة فيها و اتخاذ جميع الاحتياطات الموضوعية لتكوين فكرة عنها ، و هذا ما يسمح لنا بالقول إن ما نعرفه عن طريق الوثائق ليس هو ما حدث بالفعل بل هو قريب مما حدث ، و أن ما وصل إلينا هو شبيه جدا بما وقع فعلا ، و أن على المؤرخ في هذه الحالة أن يقرر رجحان صحة الحدث أكثر من تقريره للحقيقة ، فعليه أن يميز بين الحقائق التاريخية العامة العرضية و الحقائق الثابتة التي لها صفة الديمومة و كان لها أبرز الأثر على التطورات التي أتت بعدها . مادامت معطيات الحقيقة التاريخية هكذا فإنه لا يحسن بنا أن نجزم بأن ما نكتبه من نصوص أو نتوصل إليه من معلومات تاريخية يعكس أحداثا تاريخية ثابتة و صحيحة مادامت المعرفة الكاملة في التاريخ غير موجودة ، بل هي نسبية و متغيرة بتغير وسائل البحث و التنقيب ، بل يتوجب علينا و الحالة هذه أن نسلم بالفرق بين العلم التجريبي الذي يصل في الحقيقة إلى درجة يقينية ، و العلم القائم على الملاحظة كما هو الشأن في التاريخ حيث الحقيقة التي يسجلها أقل بكثير من درجة اليقين التي يتوصل إليها علماء الطبيعة ، لأن الفرق بينهما – كما عبر عن ذلك كروتشه – كالفرق بين الواقع و الممكن .

محدودية الموضوعية التاريخية :

مادامت الأحداث التاريخية تتعلق بماضي الإنسان و أحوال البشر يرصدها المؤرخ و يسجلها من خلال ذاته و ثقافته ، فإنه لا يمكن الوصول فيما نكتبه إلى الموضوعية المجردة ، فهي شيء متعذر لأن الموضوعية في حد ذاتها محكومة بالشروط الإنسانية التي ترفض تجريد العقل من الواقع الذي يعيشه و تحويله إلى ظواهر مادية و تصرفات آلية لا تأخذ في الاعتبار المواقف الشخصية و الروابط الروحية و الصلات الإجتماعية . لذا فلا يجب القول أنه بإمكاننا تحقيق الموضوعية المجردة و الالتزام بالحدود القصوى للأمانة في عرض الأحداث و النزاهة في الحكم عليها و التجرد من الميول و الحياد و الإنصاف في تقييم نتائجها . إذا كانت الموضوعية في التاريخ نسبية فإن على الباحث أن يحاول قدر المستطاع أخذها بعين الإعتبار ، باحترام المنهج التاريخي في كتابة النص التاريخي و تحليل الأحداث المتعلقة به ، على أن هذا المسعى في الواقع هو أقرب إلى الأمنية منه إلى الواقع لأنه لا يمكن إلغاء شخصيتنا و التنكر لظروفنا و قيمنا الثقافية .إن الميول الشخصية و ملابسات و ظروف الحادثة التاريخية و تعدد و تشابك و تنوع أسبابها و نتائجها تجعل قيمة النص التاريخي مستمدة من قيمة صاحبه و موضوعيته محددة بمؤهلاته و ميوله و مواقفه ، و هذا ما يوجب على كاتب النص التاريخي أن يسعى قدر المستطاع إلى الأخذ بقواعد المنهج التاريخي ، و عدم إخضاع المعلومات التاريخية لهدف إيديولوجي أو غرض سياسي ، لأن عرض الأحداث و تحليلها في معزل عن الميول و الضغوط و الأوامر و الإيحاءات هو أفضل سبيل للاقتراب من الموضوعية التي ننشدها و الحياد و التجرد الذي يسعى الباحث لتحقيقهما .

كيف نفسر التاريخ ؟ :

إن المعلومات التاريخية تحمل بالضرورة دلالات و قيما و تعبر عن مواقف و توجهات فكرية و مفاهيم فلسفية ، مما أوجد رابطة قوية بين المضمون التاريخي و المفهوم الفلسفي ، بحيث أصبح من المتعذر على الباحث في التاريخ أن يتعرف على وجهة الأحداث و الدلالات التي تعبر عنها من دون الأخذ في الإعتبار المنظور الفلسفي المتعلق بتطور تلك الأحداث ، و بالمقابل يتعذر على الباحث في الفلسفة تحليل تلك الأفكار و تعليل أطروحاته من دون التعرف على خلفيتها التاريخية . في هذا التوجه يصبح لزاما على المتعامل مع الحدث التاريخي الأخذ بمبدأ السببية أو العلية في تفسيره للأحداث ، كما يتطلب منه التعرف على التوجهات و الأفكار المفسرة للتاريخ أو المتعلقة أساسا بصيرورته ، و في كلتا الحالتين يتوجب الحذر من تبني مبدأ السببية حرفيا أو الانسياق وراء المدارس المفسرة للتاريخ ، و ذلك حتى لا يتناول المؤرخ الأحداث بفكرة مسبقة أو يعالجها بنظرة إجمالية أو يعرضها من خلال توجهات فكرية غالبا ما تتصل بالتبسيط و التعميم و تميل إلى الحدس و التخمين ، و هذا ما يتطلب منا عرض هذه الآراء المفسرة للأحداث و التوجهات الفكرية المتعلقة بالتطور التاريخي لارتباطها بتحليل و تقييم دلالات الحدث التاريخي ، و هذه الآراء و التوجهات يمكن إجمالها في :





· السببية أو العلية :

تهتم بتفسير أحداث الماضي و تعليلها و تحديد العوامل التي تسببت فيها ، منها ما يأخذ بالسبب الواحد على حساب العوامل الأخرى ، و منها ما يرجع إلى العوامل المتعددة . فالصنف الأول المعروف بالنظرة الأحادية في تفسير التاريخ يعبر أصحابه عن ميل ذاتي أو فكرة مسبقة لا ترى أحداث التاريخ إلا من خلال قناعاتها ، و هذا ما ميز المدارس التاريخية الأوربية الملتزمة في القرن التاسع عشر ، هذه المدارس التي كانت تعتمد على قراءة انتقائية لأحداث التاريخ ، فلا تثبت منها سوى ما يؤكد رأيها و يدعمها فكريا ، مما جعلها أثناء القرن العشرين محل رفض من عامة المؤرخين و موضوع نقد من أغلب الباحثين ، فلم يعد يأخذ بها سوى أصحاب الاتجاه الملتزم و الموجه في قراءة التاريخ خاصة ذوي الأفكار اليسارية و أصحاب المفاهيم الدينية .
من أهم الاتجاهات التي تأخذ بالنظرة الأحادية في تفسير أحداث التاريخ دعاة الفكرة القائلة بأن التاريخ هو من صنع البطل أو أنه تعبير عن إرادة الجماعة أو حصيلة تطور وسائل الإنتاج . فالقائلون بفعل البطل في التاريخ أو بإرادة الأمة في دفع عجلة التطور كان تفسيرهم للتاريخ استجابة للتوجهات المثالية و الميول الرومانسية و العواطف القومية في أوربا خلال القرن التاسع عشر . فقد ساد الاعتقاد لدى شرائح واسعة من المجتمعات الأوربية آنذاك بأن القوة الدافعة للتاريخ تكمن في التقاليد و تصدر عن العواطف الإنسانية و تعبر عن وعي الشعوب بذاتها و سعيها لتحقيق مطالبها القومية و تعزيز وسائل وجودها ، و أن هذه القوة الدافعة التي تتسبب في تطور التاريخ تعبر عن نفسها في دور البطل في صنع الأحداث ، سواء كان هذا البطل كاهنا أو ملكا أو زعيما أو قائدا أو مفكرا أو مخترعا أو غيره من الأشخاص المميزين ، كما ذهب إلى ذلك الكاتب الإنجليزي توماس كارلايل Thomas Carlyle ( 1795- 1881 ) في تفسيره لأحداث التاريخ . كما أن هذه القوة الدافعة للتاريخ تعبر عن نفسها أيضا من خلال عمل الجماعة و إرادة الأمة مثلما حاول المؤرخ الفرنسي جول ميشلي Jules Michilit ( 1798 – 1874 ) التعبير عنه في تفسيره لتطور الدولة في فرنسا و لأحداث الثورة الفرنسية

أما القائلون بكون النشاط البشري المتحكم في سير التاريخ يسيره و يوجهه تطور قوى الإنتاج و ما ينتج عنه من علاقات اقتصادية ، فقد تبنوا حرفيا مفهوم المادية التاريخية في تفسير التاريخ و التي تحولت إلى مدرسة قائمة بذاتها مع كتابات كارل ماركس Karl Marx ( 1818- 1883 ) الذي جعل الفعل التاريخي يفسر بنظرة أحادية قوامها دورة تصاعدية لعملية الإنتاج ، تطور فيها الإنسان من مجتمع بدائي مشاعي إلى مجتمع العبودية ثم إلى مجتمع فيودالي قبل أن ينتقل إلى المجتمع الرأسمالي ليصل بعد ذلك إلى المجتمع الإشتراكي و منه سوف ينتقل إلى المجتمع الشيوعي الذي ظل حلما مثاليا يراود كل الماركسيين .
الصنف الثاني من السببية التاريخية فيأخذ بالعوامل المتعددة في تفسير التاريخ على اعتبار أن أحداث التاريخ تتضافر عدة عوامل على تحقيقها من حيث أسبابها و تفاعلها و نتائجها ، مما يتطلب تلمس مختلف الأسباب و التعرف على ملابسات الأحداث انطلاقا من ظروف العصر و شروط البيئة و قدرات الفرد و وجهات الجماعة ، بحيث لا يهمل أي سبب و لا يتجاوز أي عامل سواء كان اقتصاديا أم فكريا أم جغرافيا أم روحيا أو غيره من العوامل التي لها تأثير في تفسير الحادثة التاريخية سواء في مظاهرها أو نتائجها. إن النظرة المتعددة العوامل في تفسير أحداث التاريخ أصبحت تمثل الاتجاه السائد في قراءة التاريخ و تحليل أحداثه ، لكونها تتماشى و التوجه الوضعي في دراسة التاريخ الذي يخضع فيه لشروط البحث العلمي ، و لا يأخذ في الاعتبار سوى الأحداث التي تثبتها الوثائق الخاضعة للتحليل و النقد ، بعيدا عن التجريد العقلي و المفاهيم الفلسفية التي تميزت بها المدارس التاريخية في أوربا خلال القرن التاسع عشر . إن هذا التوجه الوضعي لمعالجة التاريخ الذي يرفض أي ارتباط بين البحث التاريخي و التفسير الفلسفي و يسعى إلى تخليص الوثائق التاريخية من كل زيف أو فهم خاطئ ، بلوره و وضع قواعده مؤرخون فرنسيون و ألمان اشتهر منهم خاصة كل من ليوبولد فان رانكه L. Von Ranke (1886- 1795) و فوستال دو كولانج Fustil de Coulanges (1830- 1889).
الصيرورة التاريخية :

تقوم التوجهات الفكرية المفسرة للتاريخ على اعتبار أن التاريخ في حد ذاته ، نظرا لمواصفات الحادثة التاريخية ، يعمل في نظام متكامل يستوجب تفسير توجهه و التساؤل عن نهايته ، و حتى لا نغرق في تفاصيل المفاهيم الفلسفية و التوجهات الفكرية المتعلقة بتفسير التاريخ ، فإننا نقتصر في هذا المقال على الإشارة إلى أهم التوجهات التي يتوجب على المؤرخ المتقيد بمنهج البحث العلمي الاطلاع عليها و أخذ جانب الحيطة و الحذر منها ، حتى لا يسقط في صياغته للنص التاريخي فيما يعتبر في مجال البحث التاريخي من قبيل المحظورات ، خاصة ما يتعلق منها بالتعميم و استشراف المستقبل و تبني الأفكار المسبقة و الأحكام الجاهزة . فمن أهم التوجهات المفسرة للتاريخ نجد :

  1. التوجه الديني :

يعتمد على فكرة الغيبية و يأخذ بمفهوم العناية الإلهية Providence المتحكمة في مصير الإنسان و الموجهة لشؤون البشر ، كما ذهب إلى ذلك القديس أوغسطين Saint Augustin ( 354- 430 ) في كتابه " مدينة الله " ، و قد ظل العقل الأوربي منشدا إلى فكرة العناية الإلهية طيلة العصور الوسطى، و حاول رجل الدين الفرنسي جاك بوسويه J. Bossuet (1627- 1704) الدعوة لها في كتاباته التاريخية ، بعد أن سفه مقولاتها كتاب عصر النهضة. هذا التوجه فرضته النزعة الإنسانية لعصر النهضة الأوربية فاتخذ في تفسيره للتاريخ نظرة سياسية نفعية عبر عنها نيكولا ميكيافيلي N. Macchiavilli (1469- 1527) في كتابيه " المطارحات " و " الأمير " ، أو توجها نقديا عبر عنه لورانزو فالا L. Valla (1406- 1457) خاصة في نقده لوثيقة " هبة قسطنطين " ، و الذي تميز بالعرض الدقيق و الوصف الحي و التحليل العميق للأحداث التاريخية في كتابه " تاريخ إيطاليا " .

التوجه التحرري :

يدعو في دراسته للتاريخ إلى التحرر من قيود التقاليد و يؤمن بسيادة العقل و يثق في قدرات الإنسان على صياغة مستقبله لتحقيق التقدم و الوصول إلى الكمال في حياته ، و قد مهدت أفكار هوبز و لوك حول المجتمع الطبيعي لهذا التوجه الذي أصبح تيارا مؤثرا في الثقافة الأوربية في القرن الثامن عشر بفضل جهود كل من فولتير و ديدرو و كوندورسي و مونتيسيكيو .


3. التوجه العقلي :

يعتمد على التحليل النظري و يحاول عقلنة حركية التاريخ بتجاوز البحث في مظاهر الأحداث إلى محاولة فهم دوافعها الكامنة ، و قد أخذ به الفلاسفة المثاليون بألمانيا و في مقدمتهم فيخته و شوبنهاور و هيغل ، حيث عرض هذا الأخير تفسيرا متكاملا للتاريخ من خلال جدلية تاريخية تقوم على مبدأ صراع الأضداد ، بحيث تغدو صيرورة التاريخ و تطور الاحداث مرتبطة بفكرة الوعي بالذات و يغدو الفعل الإنساني من خلال سير التاريخ مرتبطا بفكرة الحرية و محاولة تموضع الروح في توقها للكشف و الإفصاح عن نفسها . يركز هذا التوجه في دراسته لأحداث التاريخ على تطور و تعاقب الحضارات من حيث خصائصها و المراحل التي تمر منها ، و قد كان في طليعة من أخذ بهذا التوجه العلامة العربي عبد الرحمن بن خلدون الذي اعتبر بأن الشعوب من خلال أنظمة الحكم التي تعرفها تعيش دورة تاريخية مغلقة فتنشأ الدولة بدافع العصبية و تبلغ أوجها مع مرحلة القوة " الملك العضود " و بعدها تضعف بفعل انحلال رابطة العصبية و شيوخ حياة الترف ، و تتغلب عليها عصبية أخرى تمر بدورها بالمرحلة نفسها و هكذا دواليك . أخذ بهذا التوجه في أوربا المفكر الإيطالي فيكو الذي اعتبر بدوره أن التاريخ يتطور في دورات متجددة تعيش فيها الشعوب رحلة الآلهة المتمثلة في الإيمان بالأفعال الغيبية و مرحلة الأبطال التي تسودها البطولة و الاندفاع ، لتتبعها بعد ذلك مرحلة البشر التي تنتشر أثناءها المعارف و تخضع فيها المجتمعات للقوانين الوضعية . و يلحق بهذا التوجه الحضاري في تفسير التاريخ المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي الذي درس الحضارات الإنسانية و حاول تفسيرها من حيث نشأتها و اضمحلالها بعاملي التحدي و رد الفعل.

 



شاركو بتعليقاتكم
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




شاهد أيضا